عالمٌ أفتراضي … لكنه ليس خياليًا

بقلم: المعز غَنِـي
من قال إنّه عالمٌ أفتراضي؟
لعلّنا أخترعنا هذه التسمية لنُهدّئ بها ضمائرنا ، أو لنوهم أنفسنا بأنّ ما يُكتب خلف الشاشات يذروه النسيان كما تذرو الرياح أوراق الخريف.
لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير …
إنه عالمٌ لا تُرى فيه الوجوه ، ولا تُسمع فيه الأنفاس ، ولا تتصافح فيه الأيدي ، ومع ذلك فهو من أكثر العوالم تأثيرًا في النفوس ، وأشدّها حضورًا في واقع الإنسان .
هنا نكتب كل يوم …
نفرح ، ونحزن ، نبتسم ، ونغضب ، نُحب ، ونكره ، نمدح ، وننتقد ، نواسي ، وقد نجرح دون أن نشعر. نظن أنّ الكلمات تغادر الشاشات إلى العدم ، بينما هي في الحقيقة لا تضيع ، بل تبقى شاهدة على أصحابها .
ولله المثل الأعلى …
فما يُكتب هنا يُرفع هناك ، وما تُخفيه النوايا يعلمه ربّ السماء ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يغفل عن حرفٍ خُطّ ، ولا عن كلمةٍ قيلت ، ولا عن قصدٍ أُريد بها خيرٌ أو شر .
لهذا … أتقوا الله في كلماتكم .
فقد تكون كلمةٌ صادقة سببًا في هداية قلب ، أو جبر خاطر ، أو إحياء أملٍ كاد ينطفئ ، فتظل تجري لكم حسناتها ما دام أثرها باقيًا
وفي المقابل ، قد تكون كلمةٌ جارحة كسرت قلبًا ، أو أشعلت فتنة ، أو أغتالت سمعة إنسان ، فتظل آثارها تطارد صاحبها في الدنيا قبل الآخرة .
كم من عبارةٍ تزيّنت بثوب النصيحة ، وهي تخفي بين حروفها سمّ التشهير والحسد والرياء … وكم من كلمةٍ خرجت من قلبٍ مخلص ، فأضاءت دروبًا لم يكن أصحابها يعلمون إليها سبيلًا.
فالحقّ بيّن ، والباطل بيّن ، وبينهما أمورٌ تلتبس على كثير من الناس ، ولا يهتدي إليها إلا من أنار الله قلبه بالحكمة والبصيرة .
فالعقول تُدرك …
أما القلوب الصادقة فهي التي تُبصر الحقيقة .
إن هذا العالم الرقمي … العالم الافتراضي … شبكات التواصل الإجتماعي الفايسبوك والواتساب والتيك توك والتويتر وغيرها من المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية ، ليس محطةً عابرة، ولا مساحةً بلا حساب، بل هو امتحانٌ يوميّ لأخلاقنا ، ومرآةٌ صادقة لما يسكن أرواحنا ، وميزانٌ تُوزن به قيمنا قبل كلماتنا .
فأحذروا الكلمة …
فإنها قد تكون نورًا يمتد أثره إلى قلوب لا تعرفونها ، وقد تكون جرحًا لا يلتئم ، أو ظلمًا يُرفع إلى ربّ العزة ، فيأتي يومٌ يقف فيه كل حرف شاهدًا لصاحبه أو عليه .
اللهم أجعل كلماتنا نورًا يهدي ، ولا تجعلها نارًا تؤذي .
اللهم أجعل أقلامنا شاهدةً لنا لا علينا ، وأغرس في قلوبنا الحكمة والإخلاص ، وطهّر نوايانا من الرياء والكبر وسوء القصد ، وأجعلنا ممن إذا كتبوا صدقوا ، وإذا نُصحوا قبلوا ، وإذا أخطأوا تابوا وأنابوا .
اللهم علّمنا أن الكلمة أمانة ، وأن الحرف مسؤولية ، وأن ما نكتبه اليوم سنقف بين يديك مسؤولين عنه غدًا .
فأرزقنا الصدق في القول، والإخلاص في العمل ، والثبات على صراطك المستقيم .
آمين يا رب العالمين.
فلتكن كلماتنا جسورًا للمحبة ، لا متاريس للكراهية ، ولنتذكّر دائمًا أن ما يرحل عن شاشات الهواتف لا يرحل من صحيفة الأعمال … فهناك ، لا يُنسى حرف ، ولا يسقط أثر ، ولا يضيع عند الله شيء .

