عِزَّةُ النَّفْس… كرامةٌ لا تُشترى
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي
في زمنٍ أصبحت فيه المصالح تُقدَّم أحيانًا على المبادئ، والمظاهر تُزيِّن الحقائق، يبقى الإنسان الأصيل هو الذي يحافظ على كرامته، ويصون عزّة نفسه، ويؤمن أن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما يحمل في قلبه من إيمان، وفي عقله من حكمة، وفي أخلاقه من صدق ونبل.
إن أعظم ثروة يملكها الإنسان ليست حسابًا مصرفيًا، ولا منصبًا مرموقًا، ولا شهرةً عابرة، وإنما قلبٌ لا ينحني إلا لله، ونفسٌ تأبى الذل، وضميرٌ لا يساوم على الحق مهما كانت المغريات.
فالعزة ليست لباسًا نرتديه أمام الناس، بل نورٌ يسكن الداخل، ينعكس في المواقف قبل الكلمات.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22).
آيةٌ تختصر فلسفة الحياة كلها؛ فهي تعلمنا أن نسعى بكل جد، وأن نبذل كل الأسباب، لكن دون أن نربط أرزاقنا بالبشر، أو نُعلِّق آمالنا بمن يملكون المال أو النفوذ.
فمن أيقن أن الله هو الرزاق، أستراح قلبه، ولم يجعل كرامته ثمنًا لمصلحة، أو جسرًا يعبر به إلى مكسب زائل.
كم هو مؤلم أن ترى إنسانًا يبدّل مبادئه ليحظى برضا الآخرين، أو يبتسم لمن يهينه طمعًا في منفعة، أو يتنازل عن إحترامه لنفسه من أجل منصب قد يزول في لحظة.
فكل شيء في الدنيا قابل للتغير، إلا الكرامة إذا أنكسرت، فإن جبرها ليس بالأمر الهيّن.
إن عزة النفس لا تعني التعالي، ولا التكبر، ولا أحتقار الناس، بل هي أن تمد يدك بالمحبة لا بالاستجداء، وأن تُحسن إلى الجميع دون إنتظار مقابل، وأن تعرف كيف تقول: “لا” عندما يكون ثمن “نعم” هو فقدان أحترامك لنفسك.
المتواضع بحق هو من يخفض جناحه للناس رحمةً وأدبًا، لا ضعفًا ولا خوفًا.
والقوي هو من يملك نفسه عند الحاجة، ويحفظ لسانه عند الغضب، ويحافظ على مبادئه عندما تتزاحم الإغراءات.
لقد علّمتنا الحياة أن الأبواب التي تُفتح بالكرامة تبقى مشرعة، أما تلك التي تُفتح بالتملق والذل، فإنها تُغلق عند أول تغير في المصالح.
لذلك كان الأحرار عبر التاريخ أعظم الناس أثرًا، لأنهم أختاروا أن يخسروا المناصب، ولم يخسروا أنفسهم.
وليس معنى ذلك أن ينعزل الإنسان عن الناس، أو يمتنع عن طلب المساعدة عند الحاجة، فالإسلام دين التعاون والتكافل.
لكن الفرق كبير بين أن تطلب حقًا مشروعًا بكرامة، وبين أن تُهدر كرامتك من أجل ما ليس لك.
وقد قيل في الحكمة: “من عرف قدر نفسه، عرف كيف يحفظها.”
فإجعل قلبك معلقًا بالله، واسعَ في الأرض بجد وأجتهاد، وإبتسم للحياة مهما أشتدت، ولا تسمح لأحد أن يجعلك تشعر أن قيمتك تُقاس بما عنده.
فالناس يتغيرون، والمصالح تنتهي، أما ما بينك وبين الله فهو الباقي.
وأعلم أن أعظم إنتصار في هذه الحياة ليس أن تتفوق على الآخرين، بل أن تنتصر على ضعفك، وأن تحافظ على مبادئك، وأن تنام كل ليلة وقلبك مطمئن، لأنك لم تبع ضميرك، ولم تُهن كرامتك، ولم تجعل رأسك ينحني إلا لخالق السماوات والأرض.
فكن عزيز النفس… لأن الكرامة ليست ترفًا، بل أسلوب حياة. وأعمل وأجتهد، وأحسن إلى الناس، لكن تذكّر دائمًا أن من جعل عزته بالله، فلن يذله أحد، ومن عرف قدره عند ربه، لم يحتج يومًا إلى أن يستجدي قيمته من البشر.
هنا نابل
بقلم المعز غَنِـي
عِزَّةُ النَّفْس… كرامةٌ لا تُشترى


