إعداد/
عدنان صگر الخليفه

أيُّها الشارع العراقي المُثقل بمرارات العقود، ويا من تسلّمتم مقاليد الأمور في عروش السلطة والأحزاب والنخب الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية منذ عام ألفين وثلاثة إلى يومنا هذا، ألم يحن الوقت لنقف أمام مرآة الحقيقة العارية؟ إنَّ التساؤلات الكبرى التي يغصُّ بها وجدان الإنسان العراقي اليوم تمثل محاكمة تاريخية لعقد اجتماعي مشوّه قُلبَت فيه المفاهيم؛ فكيف يستقيم أن يتحصّن البرلمان بعبارة أنه يمثّل الشعب بانتخابات إجرائية تنتهي بيومها، ليتحول التمثيل أداة للمغانم وتوزيع الحصص، بينما ينقلب الخطاب عند الأزمات وتمرير الصفقات المجحفة ليصبح الشعب في نظر ممثليه مقصِّراً ومطالَباً بالخروج للشارع لانتزاع حقوقٍ هي صلب واجب النائب؟ وفي هذا المنعطف، يبرز تساؤل اتحاد القبائل العراقية المعبّر عن ضمير الأرض: كيف يفسّر فقهاء السياسة والأمن حادثة البصرة المفجعة، حين يُضرب نائب يحمل حصانة ويمثّل مجتمعه لمجرد وقوفه في تظاهرة تطالب بإنزال علم قنصلية أجنبية تجاوزت دولتها على حقوقنا التاريخية؟ فما هي الرسالة للمواطن البسيط إن كان ممثله يُسحق علناً، وأليست هذه إشارة بوقوع عقيدة الأجهزة الأمنية في فخ المحاصصة لتتحول من حماية السيادة إلى حراسة التوافقات السياسية المبرمة خلف الغرف المغلقة؟ ومن هنا يضع الاتحاد التساؤل المزلزل عن مهام جيشنا ومؤسساتنا العسكرية المليارية؛ فكيف يُفسَّر التناقض بين القسوة المفرطة في قمع المتظاهرين بالداخل، والانكفاء والصمت أمام الاستباحة الشاملة لسيادة العراق من جهاته الأربع؟ أين كانت هذه الجيوش حين سقط ثلث العراق عام ألفين وأربعة عشر أمام مئات الإرهابيين نتيجة الفساد والمحاصصة والفضائيين، بينما تُترك الحدود اليوم يعبث بها القاصي والداني، ويُقتل فيها الراعي على الحدود الشرقية، ويُهان ويُعتقل الصياد العراقي في مياهه التاريخية بالجنوب من خفر السواحل الكويتي، وتتوغل القوات في الشمال، لتبقى المنظومة غارقة في صمت خجول؟ وهل نحن أمام سلطة تحمي شعبها أم طبقة تمارس سياسة مكافأة الجلاد، فتقدم ثروات البلد هدايا للدول التي صدّرت للعراق آلاف الانتحاريين واغتالت أبناءه وجعلت أرضه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، كأنما تُكافأ تلك الدول على سفك دمائنا لضمان رضاها صكاً لبقاء الساسة في كراسيهم؟ ويمتد التساؤل بحرقة إلى أعلى هرم السلطة الدستورية الحامية للدستور؛ كيف تحول منصب رئاسة الجمهورية ونظام المغانم المعيب إلى هيكل غائب عن الدفاع عن حدود العراق ومياهه، ليُختزل وجوده الفعلي في كونه مجرد حصة قومية ومغنم حزبي خاص بجهة في كردستان، لا تعنيها سلامة الحدود الوطنية بقدر ما يعنيها حجم المكتسبات والمناصب الشخصية التي تجنيها؟ وإلى جانب هذا الغياب التنفيذي، يطرح اتحاد القبائل العراقية التساؤل الأكثر خطورة في عمق المشهد: ما هو الدور الحقيقي لرجال القانون والمنفذين له والمشرفين على المنظومة القضائية؟ أين كان حماة العدالة وفقهاؤها حينما كانت تُصاغ وتُمرر الاتفاقيات المجحفة بحق حدود العراق وثرواته ومياهه التاريخية، وكيف يفسر لنا رجال القضاء والقانون هذا الصمت التراكمي أمام الانتهاكات الدستورية الصارخة، ولماذا بقيت الأدوات القضائية عاجزة عن لجم تغول السلطتين التنفيذية والتشريعية حينما تعلّق الأمر بمصالح الشعب العليا، بينما نراهم في مواطن أخرى يتحركون لشرعنة مخرجات المحاصصة أو حماية أطرافها؟ فكيف يمرر صانع القرار اليوم توجهات لرهن نصف مليون برميل نفط يومياً لصالح الخزين الاستراتيجي للقوة الاقتصادية الأولى في العالم تحت لافتة المبرهنات الاستثمارية والأمنية، في وقت يستكثر فيه نواب الكونغرس الأمريكي مساعدات مشروطة لا تتجاوز مليار دولار سنوياً على العراق؟ أليست هذه إعادة إنتاج حرفية لسيناريو اتفاقية خور عبد الله المذلّة عام ألفين وثلاثة عشر، حين صوّت عليها برلمان وحكومة المحاصصة وتنازلوا فيها عن منفذنا البحري الوحيد، ثم خرج ذات القادة ليتباكوا عليها إعلامياً بعد أن قبضوا ثمن التمرير سياسياً؟ وإلى متى يستمر تواطؤ نواب يدعون الدفاع عن الوعي بينما يمارسون خيانة لوظيفتهم الرقابية بطرح التساؤلات إعلامياً كالمحللين، وهم يمتلكون أدوات الاستجواب والإقالة وسحب الثقة، فلماذا يتساءلون أمام الشعب بدلاً من محاسبة الحكومة وإسقاطها؟ وهنا يوجه اتحاد القبائل العراقية السؤال الأكثر شجاعة وقسوة للذات العراقية وللشارع بكل أطيافه؛ أليس الخلل البنيوي الحقيقي قد تجاوز فساد الأحزاب ليصل لصلب قبول المجتمع لقواعد اللعبة المائلة وانقياده خلف النخب التي تُدير التجهيل الممنهج؟ كيف يرتضي هذا الشعب أن يُعامل كقطيع يُساق يوم الانتخابات لتجديد شرعية الجلاد وصناعة الوهم الديمقراطي عبر قوانين مفصّلة لإعادة تدوير الفشل، ثم يُستدعى ذات الشعب في أوقات الخطر والانهيار وهرب القادة ليقدم دمه وقوافل شهدائه لإنقاذ المنظومة وحماية كراسي من تركوه لمصيره، ليعودوا بعد النصر لقطف الثمار وتجويعه وققمعه من جديد؟ وما هي الإجابة التي يمتلكها دعاة التغيير عبر الصناديق حين يصحو العراقيون يوماً ليجدوا وطنهم قد أُشترى بالكامل من الشركات الأجنبية ونفوذ دول الجوار بواسطة هذه الطبقة، ليصبح المواطن غريباً وعامل أجر يومي في أرض آبائه وأجداده؟ وأخيراً، يضع الاتحاد علامة الاستفهام الكبرى أمام دعاة الإصلاح والتيارات التي تدعي المعارضة؛ فكيف لا تتحرك هذه القوى بوعي وطني أصيل لمنع الكوارث في مهدها، بل تمارس الانتظار الانتهازي لترقب انفجار الشارع وتحرق دماء الشباب لتدعس عليها وتتخذ من جماجم العراقيين سُلماً تتسلق به نحو الغرف المغلقة لعقد صفقات المناصب والمغانم والامتيازات؟ إنها الأسئلة الشاخصة التي يطرحها اتحاد القبائل العراقية لتبحث عن إجابة في وعي كل مواطن غيور، ليعلم الجميع أن انتظار الحل من هذه المنظومة ونخبها هو ضرب من الانتحار، وأن الحماية الحقيقية والسيادة المستردة لن تولد إلا من رحم عصيان فكري وشعبي شامل يرفض التبعية، ويقطع يد المحاصصة، ويعلن أن كرامة العراقي وسيادة أرضه ليست أوراقاً للمقايضة في بورصة الساسة المرتجفين.
العراق ومقصلة الإرادة المفقودة: تساؤلات الوجدان المسلوب في جمهورية المغانم والتنازلات

