الرئيسيةاخبارهنا نابل 
اخبار

هنا نابل 

هنا نابل 

هنا نابل 

بقلم المعز غَنِـي

جمال الروح… حين يكون الإنسان أجمل من صورته

 

في زمنٍ أصبحت فيه المرايا تُزيّف الحقائق، والكاميرات تُجيد صناعة الوهم، ومنصات التواصل الإجتماعي الفايسبوك، التويتر، التيك توك، الانستراغرام وغيرها ترسم للناس مقاييس جديدة للجمال لا علاقة لها بالجوهر، أزداد يقينًا بأن أجمل ما في الإنسان ليس وجهه، ولا أناقة ملبسه، ولا بريق مظهره… وإنما ذلك النور الخفي الذي يسكن روحه، ويُشرق من أخلاقه، ويترجم نفسه في معاملاته مع الناس.

 

فالجمال الحقيقي لا يُقاس بمرآة، ولا تُحدده ملامح الوجه، ولا تصنعه مساحيق التجميل أو عدسات التصوير، بل هو مرآة القلب حين يصفو، ولسان الصدق حين ينطق، ويد الخير حين تمتد بالعطاء، ونفسٌ تعلّمت أن ترتقي فوق الغرور، وتتحرر من قيود الأنانية، وتسمو على حب الظهور والتفاخر الأجوف.

 

إن أجمل الناس ليس أكثرهم وسامة، وإنما أكثرهم رحمة.

 وليس أرقاهم هيئة، وإنما أرقاهم خُلقًا.

 فكم من وجه جميل أخفته قسوة القلب، وكم من ملامح بسيطة زيّنها الأدب، حتى أصبحت أكثر إشراقًا من كل وجوه الدنيا.

 

جمال الإنسان الحقيقي أن يمنح دون أن ينتظر المقابل، وأن يسامح وهو قادر على العتاب، وأن يزرع الأمل في قلوب الآخرين وهو يحمل همومه بصمت.

 هو أن يكون عونًا للمحتاج، وسندًا للمكسور، وبلسمًا للجريح، وأن يترك أثرًا طيبًا في كل قلب يمر به.

 

ومن أسمى صور الجمال أن تشعر بوجع الآخرين قبل أن يتحدثوا، وأن تقرأ الحزن في العيون، وأن تُتقن لغة الصمت حين تعجز الكلمات عن مواساة الأرواح المتعبة. 

فليست كل المواقف تحتاج إلى الخطب، بل إن لمسة حنان، أو كلمة صادقة، أو دعاءً من القلب، قد يكون أبلغ من آلاف العبارات.

 

ذلك هو الجمال الذي لا تهزمه السنوات، ولا تُطفئ بريقه تجاعيد العمر، لأنه متجذر في الأخلاق والقيم، ينمو كلما تقدم الإنسان في السن، ويزداد وقارًا كلما أزداد تواضعًا. 

إنه جمال الروح الذي يجعل الإنسان محبوبًا وإن غاب، ومذكورًا بالخير وإن رحل.

 

لكن، ويا للأسف أصبحنا نعيش زمنًا انقلبت فيه الموازين، زمنًا غلبت فيه القشور على اللباب، والمظاهر على الحقائق، والصورة على الجوهر. 

زمنًا أصبحت فيه الشهرة تُقاس بعدد المتابعين، والنجاح بعدد الإعجابات، والجمال بعدد المرشحات الرقمية، حتى صار كثير من شبابنا في تونس وفي سائر الوطن العربي أسرى لعالم أفتراضي يصنع أوهامًا أكثر مما يصنع حقائق.

 

بات الشاب يُقيَّم بما يرتديه لا بما يحمله من علم وفكر، وأصبحت الفتاة تُحاكم إلى ملامحها أكثر مما تُقدَّر بعقلها وثقافتها وأخلاقها. وأنتشرت ثقافة التقليد الأعمى، واللهاث وراء الكمال المصطنع، حتى كاد كثيرون يفقدون ثقتهم بأنفسهم لأنهم يقارنون واقعهم بصور لا تعكس حقيقة أصحابها.

 

إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة مظاهر، وزيف إجتماعي يتسلل إلى النفوس بهدوء، فيسرق منها الرضا، ويقتل فيها العفوية، ويُضعف الإيمان بأن قيمة الإنسان فيما يحمله من مبادئ لا فيما يعرضه من صور.

 

ولهذا فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى ثورة هادئة داخل النفوس، ثورة تُعيد ترتيب سلّم القيم، وتُرجع البوصلة إلى موضعها الصحيح، حيث يكون الأدب زينة الإنسان، والتواضع عنوانه، والصدق لغته، وإحترام الكبير خلقًا أصيلًا، والرحمة بالصغير سلوكًا يوميًا، والإحسان إلى الناس منهج حياة.

 

فالأمم لا تبنيها الوجوه الجميلة وحدها، وإنما تبنيها العقول المستنيرة، والقلوب الرحيمة، والنفوس الصادقة. والمجتمعات لا تزدهر بكثرة المظاهر، بل تزدهر حين يصبح الإنسان قيمةً في أخلاقه قبل أن يكون صورةً في أعين الناس.

 

ومن هنا أوجّه رسالتي إلى شباب بلدي، وإلى شباب أمتنا العربية: لا تجعلوا قيمتكم فيما تلبسون، بل فيما تحملون من علم، وما تصنعونه من خير، وما تتركونه من أثر كريم. 

أزرعوا الجمال في أرواحكم قبل وجوهكم، ففي جمال الروح سكينة لا يهبها المال، ومحبة لا تشتريها الشهرة، ونورًا لا تطفئه الأيام.

 

وصدق الشاعر حين قال:

 

ليس الجمالُ بأثوابٍ تُزيّنُنا

إنَّ الجمالَ جمالُ العلمِ والأدبِ.

فاحرصوا على أن تكون أرواحكم أجمل من صوركم، وقلوبكم أنقى من ملامحكم، وأخلاقكم أبهى من كل زينة؛ فذلك هو الجمال الذي يبقى، وذلك هو الإرث الذي يخلده الناس بعد رحيلنا.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 المعز غني

هنا نابل 

هنا نابل 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *