الرئيسيةمنوعاتبقلم المعز غَنِـي لماذا سُمِّيت سورة البقرة بهذا الاسم؟ وما الرابط الذي يجمع موضوعاتها؟
منوعات

بقلم المعز غَنِـي لماذا سُمِّيت سورة البقرة بهذا الاسم؟ وما الرابط الذي يجمع موضوعاتها؟

بقلم المعز غَنِـي لماذا سُمِّيت سورة البقرة بهذا الاسم؟ وما الرابط الذي يجمع موضوعاتها؟

لطالما كانت سورة البقرة من أقرب السور إلى قلوب المؤمنين ، فهي أطول سور القرآن الكريم ، وأعظمها ثراءً بالأحكام والهدايات والقصص والعبر.

وكثيرًا ما يتساءل القارئ عن أمرين مهمين: لماذا سُمِّيت بهذا الاسم تحديدًا؟ وما السر الذي يجمع موضوعاتها المتنوعة في سياق واحد؟

 

أولًا: لماذا سُمِّيت بسورة البقرة؟

 

ترجع التسمية إلى القصة المشهورة التي وردت فيها ، حين وقع قتلٌ بين بني إسرائيل ، وأختلط الأمر عليهم ، ولم يعرفوا القاتل . فلجؤوا إلى نبيهم موسى عليه السلام ليسأل ربه أن يكشف الحقيقة .

 

فأوحى الله إلى موسى أن يأمرهم بذبح بقرة ، فإستغربوا الأمر وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، إذ لم يدركوا العلاقة بين ذبح بقرة وكشف القاتل .

ثم أخذوا يكثرون من الأسئلة ويماطلون في تنفيذ أمر الله ، حتى شددوا على أنفسهم ، وبعد طول تردد أمتثلوا أخيرًا .

 

عندئذ أمرهم الله أن يضربوا القتيل بجزء من تلك البقرة ، فأحياه الله لحظات ، فذكر إسم قاتله ثم مات مرة أخرى ، مصداقًا لقوله تعالى:

 

﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

 

ولذلك حملت السورة إسم البقرة ، لتظل هذه القصة شاهدًا على قدرة الله المطلقة ، وعلى أن طاعة أمر الله مقدمة على محاولة إدراك الحكمة قبل الامتثال .

 

ثانيًا: ما الرابط الذي يجمع موضوعات سورة البقرة؟

 

قد تبدو السورة لأول وهلة متنوعة الموضوعات ؛ فهي تتحدث عن العقيدة ، وقصص الأنبياء ، وبني إسرائيل ، والصيام ، والقصاص ، والزواج ، والطلاق ، والإنفاق ، والربا ، والدَّين ، وغيرها من الأحكام.

لكن المتأمل يكتشف أن هناك خيطًا واحدًا يربط جميع هذه الموضوعات ، وهو الإستجابة لأمر الله والقيام بأمانة الاستخلاف في الأرض .

 

فالسورة يمكن النظر إليها على أنها تنقسم إلى قسمين كبيرين .

 

القسم الأول: نماذج الإستخلاف في الأرض

 

تعرض السورة ثلاثة نماذج عظيمة لمن حملوا أمانة التكليف :

 

أولهم : آدم عليه السلام .

قال تعالى:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

وقع منه الخطأ،، لكنه سارع إلى التوبة والإنابة ، فكان نموذج الإنسان الذي يزل ثم يعود إلى ربه .

 

ثانيهم : بنو إسرائيل .

أختارهم الله وفضلهم ، وحملهم الرسالة ، لكنهم قابلوا نعم الله بالعصيان والمخالفة ، وكثرة الجدل والتسويف ، حتى صاروا مثالًا لمن يقول بلسانه ولا يطيع بعمله .

 

ثالثهم : إبراهيم عليه السلام .

قال الله تعالى :

﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.

فكان مثال الطاعة الكاملة ، والإستسلام المطلق لأمر الله ، حتى أستحق مقام الإمامة في الدين .

 

القسم الثاني : الأحكام والتكاليف

 

بعد عرض هذه النماذج الثلاثة ، تبدأ السورة في بيان الأحكام الشرعية ؛ من الصيام ، والقصاص ، والزواج ، والطلاق ، والإنفاق ، وتحريم الربا ، وأحكام الدَّين وغيرها .

 

وكأن السورة تخاطب كل مؤمن قائلة :

 

ها هي أوامر الله بين أيديكم … فأي طريق ستسلكون؟

 

هل ستكونون كآدم عليه السلام إذا أخطأتم ، فتبادرون إلى التوبة؟

 

أم ستكونون كبني إسرائيل الذين قالوا :

﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؟

 

أم ستقتدون بإبراهيم عليه السلام الذي إستجاب لأمر الله إستجابة كاملة دون تردد؟

 

وفي ختام السورة نزل قوله تعالى :

 

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾.

 

فلما سمع الصحابة هذه الآية شقَّ عليهم الأمر ، وظنوا أنهم كُلِّفوا بما لا يطيقون ، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ .

 

فقال لهم النبي الكريم :

 

« لا تقولوا كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا .»

 

فإستجاب الصحابة ، وقالوا بقلوب خاشعة:

 

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.

 

فأنزل الله رحمته وتخفيفه بقوله:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

 

ثم ختمت السورة بأعظم دعاء يلهج به المؤمنون:

 

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فلا تعاملنا كما وقع لآدم حين زل ثم تاب .

 

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، فلا تجعل علينا من التكاليف الشاقة والعقوبات ما حُمِّل على بني إسرائيل بسبب عصيانهم .

 

ثم يختم المؤمن دعاءه برجاء المغفرة والرحمة والنصر:

 

﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

 

وهكذا تتجلى وحدة سورة البقرة في أبهى صورها ؛ فهي ليست مجرد مجموعة من القصص والأحكام ، بل هي رسالة متكاملة تعلم الإنسان كيف يكون خليفة صالحًا في الأرض ، وكيف يواجه أوامر الله بقلب يقول دائمًا : سمعنا وأطعنا ، فينال رحمة الله ورضوانه في الدنيا والآخرة .

يجمع هذا الفهم بين قصص السورة وأحكامها في إطار واحد ، مع التنبيه إلى أن هذا التقسيم هو أحد أوجه التدبر التي ذكرها بعض أهل العلم ، وليس التفسير الوحيد أو المعتمد عند جميع المفسرين .

 

بقلم المعز غَنِـي

لماذا سُمِّيت سورة البقرة بهذا الاسم؟ وما الرابط الذي يجمع موضوعاتها؟بقلم المعز غَنِـي لماذا سُمِّيت سورة البقرة بهذا الاسم؟ وما الرابط الذي يجمع موضوعاتها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *