بقلم: شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية
”التاريخ لا يصنعه من جلسوا على العروش… بل من حملوا الحجارة، وحفروا الأرض، وبنوا الأوطان، ثم رحلوا دون أن تحفظ كتب التاريخ أسماءهم”.
غالباً ما تُكتب تواريخ الأمم من أعلى؛ من قصور الرؤساء والملوك، أو عبر مضابط البرلمانات وبنود القوانين. لكن تاريخ الحركة العمالية في مصر يرفض هذه المعادلة؛ فهو لم يبدأ بقرار جمهوري، ولا بتأسيس تنظيم نقابي مُشهر، بل كُتب بأيدي أصحاب الأيادي الخشنة، وفي قيعان الترع، وبين عنابر المصانع القديمة، وأمام أفران الحديد.
إن فهم الوعي العمالي في مصر يتطلب الرحيل بعيداً عن الوثائق الرسمية، والغوص في الطين والتراب لندرك كيف تحول “المصري” من مجرد صانع أو فلاح يُساق إلى العمل، إلى الفاعل الاجتماعي الأول الذي يملك القدرة على شلّ العاصمة أو إشعال الثورات.
1. أزامل “دير المدينة”: بداية الوعي بالعقد الاجتماعي (1159 ق.م)
في الوقت الذي كانت فيه الحضارات القديمة تعتمد على العبودية المطلقة، كان الوادي الخصيب يشهد أول تمرد عمالي مدون في التاريخ الإنساني. في قرية “دير المدينة” بالغرب من الأقصر، عاش الحرفيون والبناءون المكلّفون بنحت المقابر الملكية بوادي الملوك.
كسر الهيبة من أجل القوت: عندما تأخرت مخصصات العمال من القمح والشعير لمدة شهرين في عهد رمسيس الثالث، لم يتوسل هؤلاء العمال، بل وضعوا أدواتهم جانباً وتنظموا في مسيرة احتجاجية نحو المعابد (المراكز الاقتصادية للدولة).
دلالة اللحظة: لم يكن احتجاجهم تمرداً على النظام السياسي أو الديني، بل كان تعبيراً عن وعي فطري بـ “العقد الاجتماعي”؛ العمل مقابل القوت. أثبت عمال مصر القديمة أن حقوقهم اليومية تتقدم على قدسية السلطة.
2. نظام “الطوائف”: التكافل الجماعي قبل عصر النقابات
قبل حلول عصر الصناعة الحديثة، انتظم الحرفيون المصريون في منظومة شائكة تُعرف بـ “طوائف الحرف” (طائفة البنائين، النحاسين، النجارين… إلخ).
شيخ الطائفة والدعم الاجتماعي: كانت الطائفة تُدار بواسطة “شيخ الطائفة”، ورغم أن النظام كان يحمل طابعاً تنظيمياً سخرته السلطة أحياناً لجمع الضرائب، إلا أنه أسس في العقل الجمعي المصري مفهوماً حاسماً: الفرد أضعف من أن يواجه التقلبات بمفرده.
كانت الطائفة تتكفل برعاية أبناء العاجز، وتضمن الحد الأدنى من الأجور، وتحل النزاعات داخلياً. هذا التراث الحرفي هو الذي بَذر فكرة “الجماعة كدرع حماية”.
3. التجمع الكبير: صدمة العنبر والصافرة في عصر محمد علي
مع بدايات القرن التاسع عشر، ونزوع محمد علي باشا لبناء دولة حديثة، عانت الملايين من الفلاحين من اقتطاعهم من أراضيهم وإقحامهم في “المصانع الكبرى” (الترسانة البحرية، مصانع النسيج بالخرنقش، ومصانع السلاح).
انتقل العامل المصري حينها من مرحلة العمل الزراعي المرتبط بمواسم الطبيعة والشمس والعمل الفردي المستمر المشتت في القرى، إلى مرحلة العمل الصناعي القائم على الارتباط بصافرة المصنع والساعة، والعمل الجماعي الكثيف داخل مكان مغلق يجمع آلاف العمال في عنابر متجاورة.
هذا التحول الهيكلي خلق ما يُمكن تسميته بـ “الوعي المكاني”. لأول مرة، يرى آلاف العمال أنهم يرتدون نفس الثياب القماشية البسيطة، ويواجهون قسوة المفتش ذاتها، ويتقاسمون التعب في نفس الساعات. هنا تحول الفلاح الفردي إلى “كتلة صلبة” تدرك حجمها.
4. الاستعمار والامتيازات: ولادة الوعي المزدوج (الطبقي والوطني)
في أواخر القرن التاسع عشر، ومع دخول الاستثمارات الأجنبية للسكك الحديدية، والترام، ومصانع التبغ والغاز، اصطدم العامل المصري بظاهرة “التفرقة العنصرية”.
إضراب عمال لف السجائر (1899)
خاض عمال التبغ (في مصانع متسيان وباباثيولوجو) إضراباً تاريخياً ضد محاولات تخفيض الأجور وإدخال الميكنة التي هددت بتشريدهم. أدى هذا الإضراب إلى تأسيس “جمعية عمال لف السجائر”، والتي كانت النواة الحقيقية لأول شكل نقابي حديث في مصر.
الامتيازات الأجنبية
رأى العامل المصري كيف يتقاضى العامل اليوناني أو الإيطالي ضعف أجره عن العمل ذاته، ويحظى بحماية القوانين القنصلية، بينما يُترك المصري بلا حماية.
النتيجة: ولد الوعي العمالي في مصر مزدوجاً؛ فلم يكن نضالاً ضد الرأسمالي للاستحصال على حقوقه الاقتصادية فحسب (وعي طبقي)، بل كان نضالاً ضد الأجنبي المحتل المستغل لخيرات البلاد (وعي وطني).
5. قهوة العمال: “نقابات الظل” وثورة 1919
قبل إشهار النقابات رسمياً، كانت المقاهي الشعبية في حي بولاق، وشبرا، وكرموز بالإسكندرية هي “نقابات الظل”.
على هذه المقاهي، كان يتجمع عمال الترام والسكة الحديد والمطابع بعد ساعات العمل الشاقة. يقرأ المتعلم منهم الجريدة بصوت عالٍ للأميين، وتتلاشى الفروق، وتُحاك خطط التضامن العفوي. وعندما اندلعت ثورة 1919، لم تكن مجرد مظاهرات للسياسيين والنخب؛ بل كان عمال السكة الحديد هم الساعد الصلب الذي قطع خطوط الإمداد عن الجيش البريطاني، وشلوا حركة المواصلات، ليثبتوا أنهم المحرك الحقيقي للشارع.
6. ثورة يوليو 1952: تحول الحركة العمالية من “الاحتجاج” إلى “الدولة”
شكلت ثورة 23 يوليو 1952 المحطة الأبرز والأكثر تعقيداً في مسار الوعي العمالي؛ حيث انتقلت الطبقة العاملة فيها من هامش المناهضة والاحتجاج إلى صلب مشروع الدولة الوطني:
الامتيازات التاريخية المكفولة: أعادت ثورة يوليو رد الاعتبار الاجتماعي للعمال من خلال قوانين الإصلاح الزراعي، وتأميم الشركات الكبرى، وإصدار قوانين العمل التي ضمنت تحديد ساعات العمل بـ 7 ساعات، وتحديد حد أدنى للأجور، وتخصيص نسبة من أرباح الشركات للعمال، بل وإدخالهم مجلس إدارة الشركات بتمثيل نيابي يُعادل 50% للعمال والفلاحين في المجالس النيابية.
المعادلة المعقدة (المكاسب مقابل الاستيعاب): رغم أن هذه القرارات حققت الأمان الاجتماعي والكرامة العمالية التي ناضلوا لأجلها عقوداً، إلا أنها فرضت تحولاً هيكلياً؛ حيث جرى تأميم الحركة النقابية وتأطيرها تحت مظلة ”
من أزامل الفراعنة إلى خوارزميات المنصات: التاريخ الذي لم يُكتب في قصور الرؤساء

