الرئيسيةاخبارأرفع يدي إلى السماء…
اخبار

أرفع يدي إلى السماء…

أرفع يدي إلى السماء...

أرفع يدي إلى السماء…

هنا نابل بقلم المعز غَنِـي

أرفع يدي إلى السماء، لا لأطلب من الدنيا قصورها، ولا لأستزيد من زينتها الزائلة، بل لأناجي ربًّا يعلم خفايا القلوب، ويسمع همس الأرواح قبل أن تنطق به الشفاه. 

أرفع كفيّ متوسلًا، راجيًا رحمته، وقد أيقنت أن بين العبد وربه أبوابًا لا تُغلق، وأن الدعاء هو لغة القلب حين تعجز الكلمات.

 

لم يكن يومًا همّي أن أكون صاحب ثروة تتحدث عنها الأسواق، ولا أن يصفق لي الناس في مسارح الغناء، ولا أن أُحصي عدد المعجبين أو المصفقين. 

فما قيمة الشهرة إذا خلت من الصدق؟ وما قيمة المال إذا أفتقر القلب إلى السكينة؟

 

كان حلمي بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في جوهره؛ أن أترك أثرًا طيبًا في هذه الحياة، وأن تصبح كلماتي بعد رحيلي وطنًا لمن يبحث عن الجمال، وملاذًا لكل قلب أنهكه الحنين.

 كنت أتساءل: هل سيأتي يوم يعترف فيه الناس بأن الحرف الصادق لا يموت؟ وهل ستجد كتاباتي من يقرأها بقلبه قبل عينيه؟

 

لطالما آمنت أن الكاتب أو الأديب لا يُقاس بعدد المقالات التي كتبها، بل بعدد القلوب التي لامسها، وعدد الدموع التي مسحها، وعدد الابتسامات التي زرعها بين السطور.

 فإن كتب الناس أسمى يومًا، فليكتبوه مقرونًا بالصدق، لا بالادعاء، وبالمحبة، لا بالغرور.

 

لقد كتبنا عن الحب، فإتهمنا البعض بأننا عشاق النساء، وكتبنا عن الوفاء، فقالوا إننا نحلم بالمستحيل، وكتبنا عن الألم، فظنوا أننا نعيش المأساة كل يوم. 

ولم يدركوا أن الأديب قد يكتب عن ألف حكاية لم يعش منها إلا القليل، وأن الخيال جناح الأدب، وأن الإحساس لا يحتاج دائمًا إلى تجربة شخصية حتى يكون صادقًا.

 

كم من مرة حملتني الكلمات إلى محاكم الظنون، وكم من مرة ألبسني الناس ثوبًا لم أختره لنفسي.

 ومع ذلك، لم أحمل في قلبي ضغينة لأحد، لأنني تعلمت أن الأشجار المثمرة وحدها تُرمى بالحجارة، وأن من يسير في طريق الكلمة لا بد أن يتحمل أعباءها.

 

إن أكثر ما يؤلمني ليس النقد، بل سوء الفهم. 

أن تُفسَّر القصيدة بغير مقصدها، وأن يتحول الجمال إلى تهمة، والخيال إلى جريمة، والصدق إلى موضع شك. 

ومع ذلك، سأظل أكتب، لأن الكتابة بالنسبة إليّ ليست هواية، بل رسالة، وليست ترفًا، بل حياة.

 

أرفع يدي إلى السماء، وأسأل الله أن يرزقني حسن الخاتمة، وأن يجعل قلمي شاهدًا لي لا عليّ، وأن يبارك في عمري ما دام فيه خير، وأن يجعل ما أكتبه نورًا يهدي ولا يضل، ويبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق.

 

فالدنيا راحلة، وكل ما عليها فانٍ، ولن يبقى للإنسان إلا عمله الطيب، وكلمته الصادقة، وأثره الجميل في قلوب الناس. 

أما الألقاب والمناصب والشهرة، فهي زائلة كما يذوب الضباب مع أول شعاع للشمس.

 

وسيبقى دعائي في كل صباح ومساء:

اللهم إن كنت قد رزقتني نعمة الكلمة، فلا تجعلها سببًا في غروري، بل أجعلها سببًا في خدمة الناس، ونشر الخير، وإحياء القيم الجميلة. 

اللهم أجعل ذكري بعد رحيلي دعاءً صادقًا، لا مجرد إسم يُنسى مع الأيام.

 

فإن كان لي من أمنية أخيرة، فهي أن أرحل يومًا، ويبقى حرفي حيًّا بين الناس، يروي قصة إنسان أحب اللغة، وآمن بأن الكلمة الصادقة قد تعيش أكثر من صاحبها.

 

هنا نابل 

بقلم المعز غَنِـي

أرفع يدي إلى السماء…

أرفع يدي إلى السماء...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *