أعظم الأعمال وأشرفها
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وإن هناك أمثلة من سير الصحابة والسلف الصالح، فهذا هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي” وهذا هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يرى أن الليل والنهار يعملان في الإنسان، فيجب أن يعمل فيهما، وكان يكدح في العمل حتى قيل له “لو أرحت نفسك؟” فقال “إني ليعييني عمل يوم واحد فكيف بعمل يومين” وهذا عامر بن قيس التابعي عندما سأله رجل أن يقف ليكلمه، قال “لولا أني أبادر لكلمتك” وسأله الرجل “وماذا تبادر؟” قال “أبادر طلوع روحي” وهذا هو أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة مرض مرضا شديدا، وعندما أفاق وسُئل عن حاله، لم ينسى طلب العلم، فسأل صاحبه عن أفضلية رمي الجمار ماشيا أم راكبا.
وتوفي وهو يناقش هذه المسألة الفقهية، وهذا الحافظ المنذري كان لا يخرج من دار الحديث التي يدرس فيها إلا لصلاة الجمعة، وحتى عند وفاة ابنه، صلى عليه داخل المدرسة وشيعه إلى بابها ثم عاد ولم يخرج منها، وهذا هو الخطيب البغدادي كان يطالع الأجزاء والمصاحف حتى وهو يمشي، وإعلموا أن الدعوة إلى الله تعالي تكون بأشكال عدة فمنها هو إلقاء المواعظ والدروس والخطب والتخلق بالأخلاق الإسلامية وإصلاح ذات البين ومعاملة الناس معاملة حسنة كل ذلك من الدعوة إلى الله تعالي، وكما أن الدعوة إلى الله من أعظم الأعمال وأشرفها فهي دعوة إلى الخير، ودعوة إلى الصلاح، ودعوة إلى الفلاح، ودعوة إلى التنافس على الخيرات، ودعوة إلى الفوز بالجنان والنجاة من النيران، وإن الداعية الذي يعمل بما يدعو إليه هو من أحسن الناس قولا عملا، وأرفعهم شأنا وقدرا.
وأنفع الناس من وُفق للدعوة إلى الله تعالي فانتفع بدعوته الناس، وأفادهم بعلم وفير، وخير عظيم، وأعظم الدعاة نفعا هم العلماء العاملون، ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لو وقفت بين الجنة والنار، فقيل لي اختر نخيرك من أيهما تكون أحب إليك أو تكونَ رمادا؟ لأحببت أن أكونَ رمادا، وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، ولو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون، والله لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها، وإن الهم الأول للدعاة يتمثل في إرشاد الناس إلى العقيدة الصحيحة، والسعي في صلاح قلوب الناس، وحثهم على العودة إلى الله، وخاصة في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها الأمة، وإن من أهم أخلاقيات الداعية.
أن يكون سهلا لينا لا غليظا ولافظا وأن يكون حكيما وأن يزن الأمور ويضعها في نصابها، وأن يتخير من كلامه اللين اللطيف مايفتح به القلوب وأن يكون بشوشا بين الناس مقتديا بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وكما أن من أهم أخلاقيات الداعية هو أن يقابل الإساءة بالإحسان، وألا يكون غضبه إلا إذا إنتهكت محارم الله، وألا يفضح أصحاب المعاصي، بل يستر عليهم مع النصيحة والدعاء لهم بالهداية، وكما أن من أهم صفات الداعية هو أن يكون عمله خالصا لله فيما يقوم به من واجب الدعوة إلى الله وأن يصبر ويصابر ابتغاء مرضاة الله عز وجل، ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جميعا بين التقصير بل التفريط والأمن، فهذا هو الصديق رضي الله عنه يقول وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن” وقيل أنه كان يمسك بلسانه.
ويقول هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكي كثيرا ويقول ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل، وأتى بطائر فقلبه ثم قال ما صيد من صيد ولا قطعت شجرة من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح فلما احتضر، قال لعائشة يا بنية إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة وهذه الحلاب وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب وقال والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد، وقال قتادة بلغني أن أبا بكر قال ليتني خضرة تأكلني الدواب، اللهم انفعنا بالقرآن المبين وبهدي سيد المرسلين، واجعلنا بهما متمسكين وإليهما متحاكمين، أقول ما سمعتم والله حسبي ونعم الوكيل فما كان من صواب فمن الله الجليل، وما كان من خطأ وتبديل فأستغفر الله منه وما أدى إليه من سبيل فاستغفروا ربكم وتوبوا إليه فيا فوز التائبين والمستغفرين .

