أفكار بصوت مرتفع
زينب كاظم
عابس الشاكري (مجنون الحسين )
نتحدث اليوم عن شخصية دينية مهمة لأنها شخصية فدائية عاشقة للدين وللعقيدة وللحسين عليه السلام، ألا وهي شخصية عابس الشاكري.
عابس الشاكري كان خطيباً وناسكاً ومتهجداً، وكان من خواص أصحاب الإمام علي عليه السلام ومعروفاً بشدة ولاءه للامام علي عليه السلام. ولم يكن خواص الإمام علي عليه السلام أشخاصاً عاديين بل كانوا ناساً مثقفين وأصحاب فكر أمثال مالك الأشتر وكميل بن زياد رضوان الله عليهم ، وكان عابس رضوان الله عليه بالإضافة لشجاعته من حملة القرآن الكريم ومن حملة علوم النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد شارك عابس في معركة صفين وجرح في جبينه في المعركة جرحاً عميقاً، وظل أثره على جبينه حتى استشهد في واقعة الطف الأليمة، فعندما نقرأ في قصة الواقعة يذكرون أنه حضر وكان هناك أثراً على جبينه من زمن معركة صفين وظل هذا الأثر واضحاً حتى يوم عاشوراء.
عاش عابس طيلة حياته وفي باله أمنية واحدة وهي الشهادة، لكنه لم يتوفق لها في معارك الإمام علي عليه السلام حتى صار كبيراً بالسن وضعفت قوته ولم يعد كما في شبابه، حتى جاء يوم من الأيام ونزل مسلم بن عقيل رضوان الله عليه سفير الحسين عليه السلام إلى الكوفة، فكان عابس من أول الملبين والفدائيين لدعوته، وعندما بايعه الناس خطب عابس أمام الجميع وقال لمسلم بن عقيل (والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله وأريد بذلك إلا من عند الله). ولثقة مسلم بن عقيل به اختاره لكي يأخذ رسالة من الكوفة إلى مكة المكرمة للإمام الحسين عليه السلام، فذهب صحابي الحسين عليه السلام وأخذ الرسالة وبقي مع الإمام الحسين عليه السلام في مكة، وعندما جاء الإمام إلى كربلاء جاء معه عابس وبقي معه كذلك.
وعندما حدثت واقعة الطف الأليمة، تميز أنصار الإمام الحسين عليه السلام عن أنصار باقي الأئمة بأنهم كانوا يقاتلون لأجل الشهادة وليس لأجل النصر، فكانوا فدائيين حقيقيين ترك بعضهم عائلته وأولاده وأمه وعمله ورزقه لنصرة الدين الإسلامي، حتى قال الإمام الحسين بحقهم (فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خير من أصحابي) وكان من أهمهم عابس بن شبيب الشاكري. وظلت هذه الثلة ملتزمة بوعدها، فتقدموا في يوم القتال واستشهدوا واحداً تلو الآخر حتى لم يبق إلا القليل، ومن هذه القلة كان عابس وشوذب. فجاء عابس لشوذب وقال له: ماذا في نفسك أن تصنع؟ فقال له: ماذا أصنع، أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى أقتل. فأجابه عابس: ذلك الظن بك، اذهب وتقدم بين يدي ابن بنت رسول الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه. فتقدم شوذب رضوان الله عليه وقاتل حتى استشهد، وبعدها ذهب عابس رضوان الله عليه إلى الحسين عليه السلام وقال: (يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب أو بعيد أعز علي أو أحب علي منك، ولو قدرت أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ومن دمي لعملته، السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أني على هديك وهدي نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، وهنا يتضح حجم العشق الذي وصل إليه عابس في حب الحسين عليه السلام.
فتوجه عابس إلى ساحة القتال ووقف فيها وصرخ (ألا رجل لرجل)، ولم يتجرأ أي أحد من جيش عمر بن سعد على عليه لعائن الله مواجهته، ورآه شخص اسمه ربيع بن تميم الهمداني فقال لجيشه (هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجن أحد منكم إليه)، وظلوا كلما اقترب من كتيبة تنحاز عنه وتتراجع. وسمعوا صوتاً يصيح في المعسكر (ويحكم هذا بطل الأبطال، والله قد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين)، فلما رأى عمر بن سعد لعنه الله أن جنوده هابوا مواجهته قال اضربوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كل جانب. وهنا رجع عابس رضوان الله عليه إلى الخيمة ورمى درعه وخوذته ورمحه وأخذ قطعة سيف فقط وعاد للميدان، فصرخ به أحدهم يا عابس أجننت؟ تنزل إلى المعركة بلا سلاح ولا درع؟ فقال كلمته المؤثرة الخالدة التي بقيت متأصلة في أذهاننا منذ الطفولة (بلى، حب الحسين أجنني)، إن هذه القصة توضح قوة العقيدة وعنفوانها، فعابس جرد نفسه من الدروع لأنه يعرف أنها ليست معركة بحث عن انتصار دنيوي بل هي معركة شهادة تحمل العطاء وبذل الروح، فقاتل ببسالة حتى استشهد، ويقول أحد الرواة: رأيت رأس عابس في أيدي الرجال هذا يقول أنا قتلته والآخر يقول أنا قتلته، فقال عمر بن سعد لا تختصموا، فهذا لم يقتله إنسان واحد، كلكم قتله.
إن شخصية عابس التي خلدها التاريخ لم تأت من فراغ، فعندما جاءت ليلة المعركة اختبر الإمام الحسين عليه السلام جيشه وفك البيعة عن أعناقهم وقال لهم اذهبوا إلى بيوتكم، وكان يقول ذلك وهو متجه برأسه للأسفل ومغمض عينيه كي لا يحرج أحداً فيهم، فالبعض منهم بالفعل تسلل وانسحب، ثم رفع رأسه ونظر فشاهد المجموعة الباقية والمتعارف على أن عددهم المعروف بالأسماء هو (70 شخصاً). فطلب منهم الحسين أن يخرجوا خارج الخيمة وأشار إلى السماء وأراهم منازلهم في الجنة، وهنا ربما خفت روح حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه فأخذ يمازح صاحبه، فقال له صاحبه أهذه ليلة مزاح يا حبيب؟ فأجابه: نعم بكل تأكيد، فليس بيننا وبين الجنة إلا غداة غد نعالج هؤلاء بسيوفنا فندخل الجنة. ومن هنا نرد على أولئك الذين يدخلون في نقاشات عن سبب خلع عابس لخوذته ودرعه، بأن عابس ربما كان يرى موقعه في الجنة وهو يحارب، لذلك أراد الوصول للجنة متخففاً وبسرعة، إذ أن حب الحسين قضى على كل ما حوله فلم يعد يرى شيئاً غير الشهادة. وعند قراءتنا في كل كتب التاريخ والدين عن شخصية عابس لا نجد إلا كل الحب والإخلاص لآل البيت عليهم السلام.
وفي الختام، أود توضيح ملاحظة هامة للناس؛ هناك رواية شفوية غير صحيحة متناقلة عن الصحابي عابس تزعم بأنه جن بالحسين عليه السلام كونه مرض بالحمى ولم يشارك بالمعركة، وعندما شفي اكتشف أن المعركة انتهت وأن الحسين عليه السلام وكل أولاده وأصحابه استشهدوا فجن وهام في الصحاري، وهذه قصة بعيدة كل البعد عن الواقع، والواقع الحقيقي الموثق في بطون الكتب والمصادر التاريخية المعتبرة هو ما سردناه في هذا المقال من شجاعته وبسالته وتضحيته بدمه في أرض كربلاء.
رضوان الله تبارك وتعالى عن عابس الشاكري وحشرنا الله وإياه، وملتقانا عند الحسين عليه السلام.
أفكار بصوت مرتفع


