إتقان العمل حتى في تسوية القبر
محمد الدكرورى
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة وعن الرجل المائة، والرجل المائة يعين الرفيق على وعثاء الطريق، فإذا ما رأى مركبة قد قعدت بأصحابها وتعطلت على أربابها، كان لهم رحمة مرسلة، ونعمة منزلة ومنّة هاطلة، فحدد الأعطاب وأصلح الخراب وكان عونا لهم في حال ضيقهم وشدتهم ومضى في طريقه لا يعرفون اسمه ولا يدرون بجنسه لكن الله يعرفه وحسبه أن الله حسيبه ورقيبه، فلا تسل عن الدعوات المباركات، كيف تخترق الأفق لتصعد للسماء ممن كانوا في ضيق الطريق فأنقذهم الله به، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ”
فلا تسل عن حبهم له وتقديرهم لعمله وتعظيمهم لفعله، فيا لكلمته ما أشد وقعها في قلوبهم لعظيم منته عليهم، ويا لنصيحته ما أمضاها في الوصول إلى عقولهم لكريم شمائله معهم فعن جابر رضي الله عنهما قال ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم ” فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له، قال فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من كان له فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له ” ويقول النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” رواه البيهقي، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم في موضوع تسوية القبر عن دفن الجنازة ”
أما إن هذا لا ينفع الميت ولا يضره ولكن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن” وهذا التوجيه النبوي الكريم بإتقان العمل حتى في تسوية القبر الذي لا ينفع الميت بشيء، ولكنه التوجيه التربوي الذي لا بد أن نجعله نصب أعيننا في كل عمل نقوم أو نكلف به، فشريعتنا الإسلامية حثتنا على التمييز والإتقان في العمل وأمرتنا بالبعد عن الإهمال والتقصير، وأن عملنا معروض على الخالق سبحانه وتقدس، الذي قال في كتابه الكريم ” وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون” وقال شيخ الإسلام ابن كثير وغيره قال مجاهد هذا وعيد من الله تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه، وعلى الرسول والمؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا، والرؤية هنا شاملة للعلمية والبصرية.
فعلينا أن نراقب الله في أعمالنا وفي كل شؤوننا وفي حال التزامنا بعمل يجب علينا القيام به على أكمل وجه يحبه الله ويحبه خلقه، وأن لا ندخل على عملنا عملا آخر قبل إتمام عملنا الحالي إلا بعد إتمامه، أو لا يكون معارضا له، فإن تعارض الأعمال وازدواجيتها مآلها للسقوط والفشل ولا ينال من ذلك إلا التعب البدني، ولا يخفى على الجميع أن العمل بلا إتقان لا ينفع صاحبه ولا ينتفع به وهو مردود على صاحبه، ولنا في حديث المسيء صلاته نموذج عندما قال له النبي صلي الله عليه وسلم ” ارجع فصلي فإنك لم تصلي ” وكما أن الإتقان سمة إسلامية وكوننا مسلمون فنحن مطالبون بالإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو حياتي فأتقن عملا واحدا تتميز به أفضل من قيامك بأعمال عدة ظاهرة للجميع قد تصنفك في عداد الفاشلين، وأتقن العمل فإن الناقد بصير.
وقال تعالى “ليبلوكم أيكم أحسن عملا” وقالوا هو أصوبه وأخلصه، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” وأن تعبد الله كأنك تراه هذا هو كمال الإتقان “فإن لم تكن تراه فإنه يراك” وأن تعلم قبل أن تعمل ذاك قمة الإتقان “فأعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك” وأن تراقب الله تعالي في سرك كعلانيتك فذلك هو الإخلاص في الإتقان، وأن تحرص على محاسبة نفسك بإستمرار فهذا هو الحرص على الإتقان “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا” وأن تأخذ بإسباب الإتقان وتبذل الجهد الصادق في ذلك هذا هو طريق الإتقان، فالله عز وجل قد وصف نفسه بالأتقان “صنع الله الذي أتقن كل شيء” وإن السلف والخلف في أتقان العمل ما يجعلنا نتخذ منهم قدوة لنا في الحرص على مثل ما كانوا عليه من إتقان العمل وإخلاصه لله عز وجل.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الأول يتعاهد إمرأة عمياء يكنس بيتها، ويعد طعامها ويصلح من أمرها وهي لا تعلم من هو؟ وهذا عمر ابن الخطاب فاروق هذه الأمة رضي الله عنه يحمل الطعام إلى إمرأة وأطفالها في ناحية من المدينة أصابهم من الجوع ما أصابهم فلما شبعت وأطفالها قالت له يرحمك الله كنت أولى بهذا الأمر من عمر وهي تقصد الخلافة وهي لا تعلم أنه عمر رضي الله عنه، وتلك الفتاة تقول لأمها “إن كان عمر لا يرانا فرب
عمر يرانا”.
إتقان العمل حتى في تسوية القبر


