الرئيسيةمقالاتإمبراطورية على حافة الهاوية
مقالات

إمبراطورية على حافة الهاوية

إمبراطورية على حافة الهاوية

إمبراطورية على حافة الهاوية

إمبراطورية على حافة الهاوية
الولايات المتحدة الأمريكية لم تُبنَ على قوة السلاح وحده، بل على منظومة قيم صنعت لها مكانة استثنائية في العالم: الحرية، الديمقراطية، سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والعدل . هذه القيم كانت مصدر إلهام ليست للشعب الأمريكى وحده بل للعالم أجمع فمنحت واشنطن نفوذًا أخلاقيًا عالميا لا يقل أهمية عن تفوقها العسكري والاقتصادي.
غير أن هذا الرصيد المعنوي تعرض خلال العقود الأخيرة لتآكل ملحوظ، بفعل سياسات خارجية أثارت جدلًا واسعًا، وفتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول مدى التزام الولايات المتحدة بالمبادئ التي أسست عليها وطالما نادت بها.
ففي العراق مثلا شكّلت الحرب الامريكيه على العراق نقطة تحول فارقة. فقد أُطلقت تحت مبررات ثبت لاحقًا عدم دقتها، بينما كانت النتيجة دمارًا واسعًا طال البنية التحتية للدولة: مدن مدمرة، خدمات منهارة، ونظام صحي وتعليمي تعرض لضربات قاسية. أما الشعب العراقي، فدفع ثمنًا إنسانيًا باهظًا خلال سنوات الحصار والحرب بدون ذنب أو جريمة اقترفها .
وقد وصفت تحليلات في صحف غربية كبرى هذه الحرب بأنها “ضربة قاسية لمصداقية الولايات المتحدة”، بينما رأت أخرى أنها “قوضت النظام الدولي القائم على القواعد بدلًا من حمايته”.
وفي إيران، فإن الحرب المستعرة اليوم تفتقد إلى أي أساس أخلاقي وان اى تصعيد عسكري أو اقتصادي لا ينعكس فقط على الدولة، بل يطال الشعب الايرانى مباشرة: تضخم، تراجع في العملة، صعوبات معيشية، وضغوط على القطاعات الحيوية. كما تمتد آثار التوتر إلى العالم كله عبر ارتفاع أسعار الطاقة، ما يثقل كاهل الدول الفقيرة ويؤثر على مليارات البشر.
أما في مناطق متعددة من العالم العربي، فقد بدا المشهد أكثر تعقيدًا وإيلامًا. ففي سوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، كانت شعوب هذه الدول تتطلع إلى الاستقرار والدعم الدولي للخروج من أزماتها، إلا أن السياسات الأمريكية – بين تدخل محدود، أو تردد، أو انسحاب – تركت انطباعًا واسعًا بـ”الخذلان“. ولم يقتصر هذا الشعور على الشعوب، بل امتد إلى بعض الحلفاء، حيث بدت التحالفات أقل تماسكًا، وأكثر عرضة للاهتزاز وأكثرها ظهورا خزلان الولايات المتحدة حلفائها العرب فى الحرب الأخيرة بل خذلت شركائها الاوربيين حيث أدارت لهم ظهرها وها هى شاشات العالم تظهر انتقادات الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء ايطاليا للشريك الامريكى
وقد عبّرت تحليلات غربية عن هذا التحول بقولها إن “القيادة الأمريكية للعالم لم تعد محل إجماع حتى داخل المعسكر الغربي نفسه”، وأن “الفجوة بين الحلفاء آخذة في الاتساع بفعل السياسات الأحادية”.
الأخطر من ذلك، أن تكرار الأزمات في دول ذات غالبية عربية أو إسلامية فتح المجال أمام تفسيرات خطيرة لدى البعض، وهو ما يغذي مشاعر الاحتقان ويهدد بتوسيع دوائر الصراع.
وهنا يحضرنا ما قرره ابن خلدون في مقدمته حين قال:
“الظلم مؤذن بخراب العمران”،
وهو قانون اجتماعي عميق يربط بين انحراف السلطة عن العدل وبين انهيار الدول والمجتمعات. كما يقول أيضًا:
“إذا فشا الظلم في الرعية، أذن الله بخراب الدولة”،
في إشارة واضحة إلى أن بقاء الدول مرهون بالعدل، لا بالقوة وحدها.
وهذا المعنى ذاته أكده القرآن الكريم في مواضع عديدة، منها قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)،
وقوله سبحانه:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
كما يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117)،
وهي آية تحمل معنى بالغ الدلالة: أن الإصلاح والعدل هما صمام الأمان لبقاء الأمم.
إن هذه السنن لا تفرق بين أمة وأخرى، ولا بين شرق وغرب؛ فهي قوانين كونية تحكم صعود الدول وسقوطها.
إن المصلحة الحقيقية للولايات المتحدة لا تكمن في تعدد بؤر الصراع، بل في تقليلها. وليس في إدارة الأزمات، بل في حلّها. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحروب، بل في القدرة على بناء ونشر السلام.
ان التاريخ يقول : أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط بفعل أعدائها، بل حين تتخلى عن القيم التي قامت عليها.
وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة على مستقبلها، فإن عليها أن ترجع إلى القيم التى تأسست وقامت عليها ، وبالتالى استعادة ثقة العالم،
فالعالم لا ينتظر سقوط أمريكا،
بل ينتظر عودتها إلى ذاتها.

إمبراطورية على حافة الهاوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *