الرئيسيةمقالاتابن قدامة.. فقيه دمشق وإمام الحنابلة
مقالات

ابن قدامة.. فقيه دمشق وإمام الحنابلة

ابن قدامة.. فقيه دمشق وإمام الحنابلة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

يُعد الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي أحد أبرز أعلام الفقه الإسلامي في المذهب الحنبلي وأحد كبار علماء الشام الذين تركوا أثرًا علميًا ودعويًا خالدًا امتد عبر القرون.

وتذكر المصادر التاريخية أن الإمام ابن قدامة عاد إلى دمشق بعد رحلة علمية ثرية في بغداد ليتصدر مجالس العلم والتدريس في الجامع الأموي ويصبح لاحقًا إمام محراب الحنابلة بجامع دمشق. وبعد وفاة أخيه أبي عمر تولى الإمامة والخطابة بالجامع المظفري وأصبح مرجعًا علميًا يقصده طلاب العلم من مختلف الأقطار.

وعُرف الإمام ابن قدامة بسمو أخلاقه وتواضعه وحسن معاملته للناس حتى إن معاصريه وصفوه بأنه دائم الابتسامة لطيف المعشر لا يُرى إلا مبتسمًا. وكان يجمع بين العلم والزهد والكرم حيث اعتاد استقبال الفقراء وإطعامهم من طعامه ومشاركتهم حياته اليومية في صورة جسدت معاني التكافل والإحسان.

كما اشتهر بقوة الحجة وسعة العلم في المناظرات العلمية. وقد روي أنه ناظر عددًا من كبار علماء عصره وتمكن من إظهار قوة منهجه العلمي ورسوخ قدمه في الفقه والأصول. ومع ذلك لم يكن يميل إلى الجدل العقيم بل كان يرى أن العلم رسالة تهدف إلى بيان الحق وتقريب الناس من الفهم الصحيح للدين.

وعُرف عنه كذلك الشجاعة والثبات حيث شارك في الدفاع عن بلاد المسلمين وتقدم الصفوف في أوقات المواجهة حتى أصيب في إحدى المعارك. كما كان محل احترام وتقدير الحكام والعلماء على السواء لما عُرف عنه من ورع واستقامة وصدق في القول والعمل.

وفي الجانب العقدي تمسك الإمام ابن قدامة بمنهج أهل السنة والجماعة القائم على اتباع النصوص الشرعية والابتعاد عن الخوض في المسائل الكلامية المعقدة التي لم يرد بها دليل صحيح. وكان يرى أن النجاة تكون في التمسك بالكتاب والسنة وفهم السلف الصالح بعيدًا عن التكلف والجدل.

وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء الذين أصبحوا فيما بعد من أعلام الفقه والحديث والتفسير ومنهم الحافظ ضياء الدين المقدسي والحافظ ابن النجار وغيرهما من كبار العلماء الذين حملوا علمه ونشروه في مختلف الأمصار.

وخلف الإمام ابن قدامة تراثًا علميًا ضخمًا ما زال حاضرًا في المكتبة الإسلامية حتى اليوم وفي مقدمة مؤلفاته كتاب “المغني” الذي يُعد من أعظم كتب الفقه المقارن في التراث الإسلامي ومرجعًا رئيسيًا للباحثين وطلاب العلم.

وعلى المستوى الأسري تزوج الإمام من ابنة عمه مريم بنت أبي بكر المقدسي ثم تزوج بعدها من عزية. وقد رُزق بعدد من الأبناء إلا أن أغلبهم توفوا في حياته ولم يمتد نسله بعد ذلك.

وفي يوم عيد الفطر من سنة 620 للهجرة الموافق لعام 1223 ميلادية رحل الإمام ابن قدامة عن الدنيا بعد حياة حافلة بالعلم والعبادة والتأليف والدعوة. ودُفن في سفح جبل قاسيون بدمشق خلف الجامع المظفري حيث شيعه أهل دمشق في جنازة مهيبة عكست مكانته الكبيرة في قلوب الناس وعظيم أثره في الحياة العلمية والدينية.

وبقي اسم ابن قدامة حاضرًا في ذاكرة الأمة باعتباره واحدًا من كبار فقهائها وعلمائها الذين جمعوا بين العلم والعمل وبين قوة الحجة ونبل الخلق فاستحق أن يظل منارات الهداية والفقه عبر العصور.

بقلم / محمـــد الدكـــروري

مراجعة وتحرير وصياغة

محمد سعيد الحداد

 

ابن قدامة.. فقيه دمشق وإمام الحنابلة

ابن قدامة.. فقيه دمشق وإمام الحنابلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *