احتجاز الكربون في العمليات الحقلية النفطية
بقلم: د. نبيل سامح
1. المقدمة
يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولًا جذريًا مدفوعًا بالحاجة إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مع الحفاظ على إمدادات طاقة موثوقة. وتُعد العمليات الحقلية النفطية، التي ارتبطت تقليديًا بمعدلات مرتفعة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، من القطاعات التي بدأت في دمج استراتيجيات إدارة الكربون ضمن أهداف التنمية المستدامة. ويُعد احتجاز الكربون أحد أهم المسارات التكنولوجية القادرة على تقليل الانبعاثات بشكل كبير من أنشطة المنبع في صناعة النفط والغاز.
يشير احتجاز الكربون في العمليات الحقلية إلى الفصل المنهجي وتجميع واحتواء غاز CO₂ الناتج من مختلف العمليات مثل توليد الطاقة، ومعالجة الغاز، ووحدات الفصل، وأنظمة الحرق (Flaring). وبدلًا من إطلاق هذا الغاز في الغلاف الجوي، يتم ضغطه إما لاستخدامه في الحقن تحت السطحي أو نقله للتخزين طويل الأمد. ويسمح هذا النهج باستمرار تشغيل الحقول النفطية مع التوافق مع أهداف خفض الانبعاثات.
وعلى عكس المنشآت الصناعية في قطاع المصب، تمتلك الحقول النفطية مزايا تشغيلية وجيولوجية فريدة تجعلها بيئة مناسبة لدمج تقنيات احتجاز وتخزين الكربون، نظرًا لتوافر الآبار القائمة، والمعرفة التفصيلية بالمكامن، والبنية التحتية للحقن.
2. مصادر انبعاثات الكربون في العمليات الحقلية
يُعد تحديد مصادر الانبعاثات خطوة أساسية لتصميم أنظمة احتجاز فعّالة. وتنشأ انبعاثات CO₂ في الحقول النفطية أساسًا من استهلاك الطاقة ومن عمليات معالجة الهيدروكربونات.
تشمل أهم مصادر الانبعاثات:
توليد الطاقة لتشغيل أجهزة الحفر والمضخات والضواغط ووحدات المعالجة
أنظمة الحرق والتنـفيس
وحدات الفصل والتجفيف
محطات ضغط الغاز
أنظمة الرفع الصناعي التي تتطلب طاقة مستمرة
كما تنشأ انبعاثات غير مباشرة من الكهرباء الموردة من شبكات تعتمد على الوقود الأحفوري، ومن عمليات النقل والخدمات اللوجستية، إضافة إلى العمليات المؤقتة أثناء الحفر وصيانة الآبار.
وتتميز هذه الانبعاثات بأنها مستمرة نسبيًا، مما يجعل الحقول النفطية مناسبة لتطبيق أنظمة احتجاز ثابتة ذات معدلات تشغيل مستقرة.
3. الأسس النظرية لتقنيات احتجاز الكربون
تهدف تقنيات احتجاز الكربون إلى فصل CO₂ من تيارات الغاز قبل انبعاثه إلى الجو. وفي بيئة الحقول النفطية، يجب أن تكون هذه التقنيات مرنة وقادرة على التكيف مع تغيرات معدلات الإنتاج.
3.1 الاحتجاز بعد الاحتراق (Post-Combustion)
يتم في هذا الأسلوب فصل CO₂ من غازات العادم بعد احتراق الوقود، وهو مناسب لـ:
التوربينات الغازية
مولدات الديزل
الغلايات والسخانات
تحتوي غازات العادم على تركيزات منخفضة نسبيًا من CO₂، مما يتطلب أنظمة فصل قادرة على معالجة كميات كبيرة من الغاز. ويُعد الامتصاص الكيميائي من أكثر الأساليب النظرية استخدامًا، حيث يرتبط CO₂ بمذيب خاص ثم يتم تحريره لاحقًا خلال مرحلة التجديد.
3.2 الاحتجاز قبل الاحتراق (Pre-Combustion)
يعتمد هذا الأسلوب على تحويل الوقود إلى غاز غني بالهيدروجين قبل الاحتراق، مع فصل CO₂ مسبقًا. ويُستخدم هذا النهج غالبًا في المنشآت المتكاملة لمعالجة الغاز، حيث يمكن استخدام الهيدروجين كوقود منخفض الكربون.
3.3 الفصل من تيارات المعالجة
في كثير من الحقول، يحتوي الغاز المنتج على نسب من CO₂ تتم إزالتها أصلًا ضمن عمليات تنقية الغاز. ويتيح دمج أنظمة الاحتجاز مع وحدات التحلية (Gas Sweetening) فرصة لفصل CO₂ عالي النقاء دون خطوات إضافية معقدة.
4. دمج أنظمة احتجاز الكربون في البنية التحتية الحقلية
تمتلك الحقول النفطية بنية تحتية يمكن استغلالها مباشرة لدعم أنظمة الاحتجاز والحقن. وتشمل هذه البنية:
آبار الحقن
مرافق الضغط
شبكات الأنابيب
بيانات مكثفة عن المكامن
يمكن ضغط CO₂ الملتقط ونقله عبر خطوط قائمة أو معدلة إلى نقاط الحقن. وتُعد المكامن التي احتوت سابقًا على الهيدروكربونات مناسبة طبيعيًا لتخزين CO₂ بسبب كفاءة الصخور الغطائية وسلامة التراكيب الجيولوجية.
تشمل استراتيجيات الدمج:
تحديث المعدات الحالية بإضافة وحدات احتجاز
إنشاء مراكز احتجاز مركزية تخدم عدة منشآت
أنظمة احتجاز موزعة بالقرب من مصادر الانبعاث
ويُعد التصميم المرن القابل للتوسع ضروريًا لمواكبة تغير معدلات الإنتاج على مدار عمر الحقل.
5. استخدام الكربون وتخزينه تحت السطحي في الحقول النفطية
5.1 الاستخدام ضمن إدارة المكامن
يمكن حقن CO₂ في المكامن لدعم الضغط وتحسين كفاءة الإزاحة وتقليل لزوجة النفط تحت ظروف المكمن. ورغم إمكانية وجود فوائد إنتاجية، يظل الهدف الرئيسي هو الاحتجاز طويل الأمد للكربون.
5.2 التخزين الجيولوجي في المكامن المستنزفة
تُعد المكامن النفطية والغازية المستنزفة مواقع مثالية لتخزين CO₂ بسبب:
إثبات قدرتها السابقة على الاحتجاز
توافر آبار للحقن والمراقبة
المعرفة التفصيلية بسلوك المكمن
ويُحتجز CO₂ بعد الحقن عبر عدة آليات تشمل الاحتجاز التركيبي، والاحتجاز الشعري، والذوبان في السوائل، ثم التفاعلات المعدنية على المدى الطويل.
وبذلك يمكن للحقول في مراحلها المتأخرة أن تتحول إلى أصول بيئية طويلة الأجل.
6. التحديات التشغيلية والتقنية
6.1 متطلبات الطاقة
تحتاج عمليات الفصل والضغط إلى كميات كبيرة من الطاقة، مما قد يقلل من الكفاءة العامة إذا لم تُستخدم مصادر طاقة منخفضة الكربون.
6.2 قيود المساحة والوزن
تعاني المنصات البحرية والمنشآت المدمجة من محدودية المساحة، ما يتطلب حلولًا مدمجة وخفيفة الوزن.
6.3 تعقيد دمج العمليات
يجب ألا يؤثر دمج أنظمة الاحتجاز على استقرار الإنتاج أو ضغوط التشغيل، مع ضمان أعلى مستويات السلامة والموثوقية.
6.4 المراقبة وضمان الاحتواء
يتطلب التخزين طويل الأمد أنظمة مراقبة مستمرة لضمان سلامة الاحتواء وكشف أي هجرة غير متوقعة للغاز.
7. دور التقنيات الرقمية في دعم احتجاز الكربون
تلعب الرقمنة دورًا أساسيًا في تحسين كفاءة وموثوقية أنظمة احتجاز الكربون من خلال:
المراقبة الفورية لكفاءة الفصل
الصيانة التنبؤية للضواغط والمعدات
نمذجة حركة CO₂ داخل المكمن
التوائم الرقمية لأنظمة الحقن
التحكم الآلي في تشغيل وحدات الاحتجاز
كما تساهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين استراتيجيات الحقن والتنبؤ بأداء التخزين على المدى الطويل.
8. الدور الاستراتيجي لاحتجاز الكربون في التحول الطاقي
يسمح احتجاز الكربون باستمرار العمليات النفطية مع تقليل الأثر البيئي بشكل كبير، ويحوّل الحقول من مجرد مصادر انبعاث إلى عناصر فاعلة في منظومة التخفيف من التغير المناخي.
ويدعم هذا النهج:
الانتقال التدريجي نحو خفض الانبعاثات دون إيقاف مفاجئ للإنتاج
إعادة توظيف الأصول القديمة لخدمة أهداف بيئية طويلة الأجل
تطوير مراكز طاقة متكاملة تجمع بين الهيدروكربونات والهيدروجين والتخزين
ويُعد هذا المسار بالغ الأهمية للدول التي لا تزال تعتمد على النفط والغاز لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
الخاتمة
يمثل احتجاز الكربون في العمليات الحقلية النفطية حلًا تقنيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية ضمن مسار خفض الانبعاثات العالمي. فمن خلال استغلال البنية التحتية القائمة والمعرفة المتراكمة بالمكامن وقدرات الحقن، يمكن للحقول النفطية أن تتحول من مصادر رئيسية للانبعاثات إلى مراكز فعالة لإدارة الكربون.
يسمح دمج تقنيات الاحتجاز داخل منشآت المنبع بتحقيق خفض مستمر للانبعاثات مع الحفاظ على استقرار الإنتاج. وعند دمج الاحتجاز مع التخزين الجيولوجي، توفر الحقول النفطية حلولًا آمنة وطويلة الأمد مدعومة بعقود من الخبرة الهندسية في سلوك المكامن.
ورغم استمرار التحديات المرتبطة باستهلاك الطاقة ومتطلبات المساحة وتعقيد التكامل التشغيلي، فإن التطور المستمر في الوحدات المعيارية والتقنيات الرقمية وتحسين العمليات يعزز من الجدوى الفنية والاقتصادية لهذه الحلول. كما تسهم الرقمنة في رفع مستويات الأمان والموثوقية من خلال المراقبة اللحظية والتحكم التنبؤي.
وفي النهاية، يتيح احتجاز الكربون للعمليات النفطية التوافق مع أهداف الاستدامة دون الإخلال بأمن الطاقة، ويحوّل الأصول البترولية التقليدية إلى أنظمة طاقة متعددة الوظائف تدعم احتياجات الحاضر ومتطلبات المناخ المستقبلية.
بقلم: د. نبيل سامح
-مدير تطوير أعمال في شركة نيلكو
-مدرب بترولي دولي معتمد
-أستاذ ومحاضر بعدة أكاديميات ومراكز تدريب بترولي داخل وخارج مصر
-محاضر داخل و خارج مصر
كاتب مقالات متخصصة في قطاع البترول بمجلتي Petrocraft وPetrotoday وغيرها

