الإمام ابن دقيق العيد مع ابن تيمية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية وكتب الفقه الإسلامي الكثير عن أئمة المسلمين وكان من بينهم الإمام إبن دقيق العيد هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، وقيل أنه قد سمع كلام ابن تيمية وقال له بعد سماع كلامه ما كنت أظن أن الله تعالى بقي يخلق مثلك، وسئل ابن دقيق العيد بعد انقضاء ذلك المجلس عن ابن تيمية فقال هو رجل حفظة فقيل له هلا تكلمت معه فقال هو رجل يحب الكلام وأنا أحب السكوت، وقال ابن دقيق العيد أيضا “لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد” وقال ابن دقيق “والتراجم التى يترجم لها أصحاب التصانيف على الأحاديث إشارة إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاثة مراتب منها ماهو ظاهر في الدلالة.
على المعنى المراد مفيد لفائدة مطلوبة، ومنها ما هو خفي الدلالة على المراد، بعيد مستكره، لايتمشى إلا بتعسف، ومنها ما هو ظاهر في الدلالة على المراد، إلا أن فائدتة قليلة لا تكاد تستحسن، مثل ما ترجم باب “السواك عند رمي الجمار” وقال ابن دقيق رحمه الله أن مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم، فالأصل يقتضى اعتباره وعدم اطراحه” وقد توفي الإمام إبن دقيق العيد يوم الجمعة الحادي عشر من شهر صفر سنة سبعمائة واثنين من الهجرة، ودفن يوم السبت بسفح المقطم شرق القاهرة، وكان يوما مشهودا وصلي عليه بسوق الخيل بالقاهرة، وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء وجمع غفير من الأمة، وقد ترك ابن دقيق العيد الكثير من المؤلفات في الحديث وعلوم الفقه.
ما زالت تعتز بها المكتبة العربية حتى يومنا هذا، ولقد كان من نتاج هذه النهضة العلمية ظهور العديد من العلماء في مختلف العلوم والفنون، حيث كان لهم أثر بارز في مسيرة العلم ونشر الثقافة العربية والإسلامية، ومن بين هؤلاء شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله وهو أحد الفقهاء والعلماء والمحدثين البارزين الذين برزوا في عصر المماليك في القرن السابع الهجري، والثالث عشر الميلادي، وهو شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مُطيع ابن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي الشافعي المالكي المصري، ولإبن دقيق العيد لفتة عابرة قد تدل على أنه كان فيه شىء من نزعة التجديد وذلك أنه لما جاء التتار إلى الشام، فى عام ألف ومائتان وواحد وثمانين للميلاد.
ورد مرسوم السلطان إلى القاهرة بعد خروجه منها للقائهم أن يجتمع العلماء ويقرأوا البخارى، فاجتمع العلماء وقرأوه إلى أن بقى شىء منه، فأخروا ما بقى إلى أن يتموه فى اليوم التالى وكان يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة، رأوا ابن دقيق العيد فى الجامع فقال لهم ما فعلتم ببخاريكم؟ فقالوا بقى ميعاد أخرناه لنختمه اليوم، فقال انفصل الحال من أمس العصر، وبات المسلمون على كذا، فقالوا نخبر عنك؟ فقال نعم، فجاء الخبر بعد أيام بذلك، وكان النصر فيه للمسلمين، ولعل قوله ما فعلتم ببخاريكم؟ كأنما يعنى أنه تحقق بما أمر الله بإعداده من قوة ومن رباط الخيل، وليس بقراءة البخارى ونحوه، ولم يقف ابن دقيق العيد على أدلة المذهبين، والاجتهاد فى نطاقهما، وإنما تجاوز ذلك إلى مرحلة الاجتهاد المستقل.
فى بعض ما كان يعرض له من قضايا، حيث كان يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة، غير مقلد لأحد فى اجتهاده، وقد شهد له معاصروه بالسبق والتقدم فى الفقه، وأقروا له بالاجتهاد، ولا شك أن ابن دقيق العيد قد ارتفع بمنزلة القاضى وحافظ على كرامة منصبه، فتطبيق الأحكام الشرعية هو سبيله إلى العدل دون تفرقة، والالتزام بالحق هو الميزان الذى يستعمله فى قضاياه وفتاواه، وقضى الشيخ حياته بين التأليف والتدريس نهارا، والعبادة والصلاة ليلا، حتى لقى الله من العلماء الذين برزوا في عصر المماليك، ويحكى أن ابن عبد السلام كان يقول ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص، وقال ابن كثير في طبقاته أحد علماء وقته، بل أجلهم وأكثرهم علما، ودينا، وورعا، وتقشفا، ومداومة على العلم في ليله ونهاره، مع كبر السّن والشغل بالحكم.
الإمام ابن دقيق العيد مع ابن تيمية


