التنمر الالكتروني وقسوة الكومنت.
بقلم / نعمه حسن
حين يصبح الكومنت حجرًا… مش عاجبك المحتوى؟ اعمل بلوك
قبل أن نتحدث عن الشهامة التي غابت أمام كاميرا الهاتف، وعن الحوادث التي أصبحت مادة للترند، أريد أن أتوقف طويلًا أمام شيء نمارسه كل يوم وكأنه بلا ثمن:
الكومنت.
ذلك السطر الصغير الذي نكتبه في ثوانٍ.
نكتبه ونحن غاضبون.
أو ساخرون.
أو مستفَزون.
أو لأننا وجدنا مئات الأشخاص يهاجمون، فقررنا أن نلقي حجَرَنا معهم.
ثم نغلق الهاتف.
ونكمل يومنا.
لكن هل فكرت يومًا أن صاحب المحتوى لا يغلق الكلام بالسهولة نفسها التي أغلقت بها أنت التطبيق؟
قد تكون أنت كتبت جملة واحدة.
لكنه استقبل مئات الجمل.
أنت كتبت:
«مقرف.»
وغيرك كتب:
«اختفِ.»
وثالث سخر من شكله.
ورابع من صوته.
وخامس دخل إلى حساب أسرته.
وسادس بدأ ينشر عنه إشاعة.
وكل واحد من هؤلاء يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه لم يفعل شيئًا خطيرًا.
كل واحد يرى حجَرَه فقط، ولا أحد يرى كومة الحجارة فوق صدر الإنسان.
أنت لا تعرف من الذي يقرأ تعليقك
هذه هي الحقيقة التي ننساها.
أنت ترى صاحب المحتوى في مقطع مدته دقيقة.
لكن الدقيقة لا تخبرك بشيء عما يجري في حياته.
قد يكون أمامك إنسان يضحك بينما يعاني اكتئابًا.
أو شابًا يعيش ضغطًا أسريًا قاسيًا.
أو فتاة تخوض معركة مع صورتها عن نفسها.
أو إنسانًا فقد شخصًا عزيزًا.
أو شخصًا يبدو شديد القوة أمام الكاميرا، لكنه بمجرد أن يغلقها يصبح أضعف كثيرًا مما تتصور.
لا يوجد على حساباته تحذير يقول لك:
«انتبه… صاحب هذا الحساب على حافة الانهيار.»
ولهذا فإن الرحمة مطلوبة تحديدًا لأننا لا نعرف.
وقد وجد مسح لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا أن نحو ١٥% من المراهقين الذين شملتهم الدراسة تعرضوا للتنمر الإلكتروني، مع ارتفاع النسبة مقارنة ببيانات ٢٠١٨. نحن إذن لا نتحدث عن استثناءات قليلة، بل عن ظاهرة تمس عددًا ضخمًا من الشباب.
وهناك من لم يحتمل
لا أريد استخدام قصص من أنهوا حياتهم كوسيلة لإثارة المشاعر، ولا يصح علميًا أن نقول إن إنسانًا أنهى حياته بسبب «كومنت واحد».
الانتحار فعل معقد، تتداخل وراءه عوامل نفسية واجتماعية وشخصية كثيرة.
لكن هذا لا يلغي حقيقة أخرى:
هناك حالات موثقة أصبح فيها التنمر أو الابتزاز أو المحتوى الرقمي المؤذي جزءًا خطيرًا من المأساة.
وحين نعرف هذه القصص، لا يعود من المقبول أن نقول باستهانة:
«دي مجرد كلمة على النت.»
أماندا تود… حين أصبحت الشاشة مكانًا لا تستطيع الهرب منه
من أشهر هذه الأسماء أماندا تود.
فتاة كندية كانت في الخامسة عشرة.
تعرضت لابتزاز ومضايقات وتنمر إلكتروني شديد، ثم توفيت عام ٢٠١٢.
وفي بيان رسمي للحكومة الكندية بعد عامين من وفاتها، جرى استحضار قصتها صراحة في سياق مكافحة التنمر الإلكتروني والاستغلال الجنسي للأطفال، وذكرت الحكومة أنها أنهت حياتها بعد تعرضها لتنمر إلكتروني قاسٍ.
أماندا ليست رقمًا.
كانت فتاة.
لها بيت.
ولها أسرة.
ولها صباحات وأحلام وأيام عادية.
لكن آلاف الأشخاص عرفوها من خلال شاشة، وبعضهم لم ير فيها إنسانة كاملة.
رأوا «قصة».
أو صورة.
أو مادة للسخرية.
وهنا تكمن وحشية العالم الرقمي:
قد يتحول أسوأ يوم في حياتك إلى أفضل مادة تسلية عند شخص لا يعرف اسم أمك.
مولي راسل… عندما دخل المحتوى إلى عقل طفلة
ثم هناك مولي راسل.
فتاة بريطانية في الرابعة عشرة من عمرها.
توفيت عام ٢٠١٧.
وفي التحقيق القضائي الرسمي في وفاتها، خلص الطبيب الشرعي إلى أنها توفيت نتيجة إيذاء النفس بينما كانت تعاني الاكتئاب والآثار السلبية للمحتوى على الإنترنت.
ولم يتوقف الأمر عند تقرير عابر؛ فقد صدر تقرير رسمي لمنع وفيات مستقبلية وأُرسل إلى جهات حكومية وشركات تقنية كبرى من بينها Meta وPinterest وSnap وTwitter.
توقف أمام عمرها قليلًا.
أربعة عشر عامًا.
في العمر الذي ينبغي أن يكون أكبر هموم الإنسان فيه امتحانًا أو صديقة أو رحلة مدرسية، قد يجد نفسه داخل عالم رقمي يعرف كيف يدفع أمامه المزيد مما يؤلمه.
وهنا يصبح السؤال:
كم مرة قلنا عن شيء على الهاتف:
«إيه يعني؟ مجرد بوست.»
لا.
ليس «مجرد بوست» دائمًا.
فمن ينظر إلى الشاشة دماغ حقيقي.
وقلب حقيقي.
وجهاز عصبي حقيقي.
وإنسان له قدرة محدودة على الاحتمال.
جوردان ديماي… دقائق من الابتزاز كانت كافية لصناعة مأساة
وفي الولايات المتحدة كان جوردان ديماي طالبًا في السابعة عشرة.
وقع ضحية مخطط ابتزاز جنسي إلكتروني عام ٢٠٢٢.
استخدم المبتزون حسابات وشخصيات وهمية لاستدراجه، ثم بدأ التهديد بصور حميمة والمطالبة بالمال.
ووفق وزارة العدل الأمريكية، توفي جوردان نتيجة ذلك المخطط، الذي استهدف أكثر من مئة ضحية أخرى. وفي ٢٠٢٤ صدرت أحكام طويلة بالسجن على اثنين من المتورطين.
سبعة عشر عامًا.
إنسان في أول حياته.
والأداة؟
هاتف.
وحساب.
وصورة.
وخوف مما سيقول الناس إذا انتشرت الصورة.
وهنا علينا أن نفهم شيئًا مرعبًا:
المبتز لا يملك قوته من الصورة وحدها.
بل من خوف الضحية منا نحن.
من سخريتنا.
ومن إعادة إرسالنا.
ومن تعليقاتنا.
ومن شهيتنا لمعرفة «باقي القصة».
وهناك من لا يموت… لكنه لا يعود كما كان
ليست كل مأساة نهايتها وفاة.
وهذه نقطة لا تقل أهمية.
هناك من يظل حيًا، لكنه يدخل في اكتئاب.
وهناك من يفقد ثقته في نفسه.
وهناك من يصاب بالقلق كلما فتح هاتفه.
وهناك من يخشى الخروج من بيته.
وهناك من يغير مدرسته أو عمله.
وهناك من يتوقف عن الظهور.
وهناك من يعيش سنوات يسمع في رأسه أصوات غرباء سخروا منه يومًا.
وهناك من يصبح مريضًا نفسيًا بالفعل ويحتاج علاجًا طويلًا.
وهنا يكون الضرر أقل إثارة للصحافة، لكنه ليس أقل واقعية.
ليس شرطًا أن نرى جنازة حتى نعترف بأننا آذينا إنسانًا.
أحيانًا يعيش الشخص، لكن جزءًا من روحه الاجتماعية والثقة التي كانت داخله لا يعيش كما كان.
ولماذا كل هذا أصلًا؟
هنا أصل إلى السؤال الذي يؤرقني:
إذا كان المحتوى لا يعجبك، لماذا لا تعمل بلوك؟
ما الذي يجبرك على البقاء؟
تراه محتوى ضعيفًا؟
اعمل بلوك.
تراه تافهًا؟
اعمل بلوك.
صاحبه يستفزك؟
اعمل بلوك.
لا يشبه ذوقك؟
اعمل بلوك.
أنت لا تحتاج أن تدخل عند إنسان كل يوم لتخبره أنك لا تريد رؤيته.
هذه مفارقة لا أفهمها.
شخص يكتب لصانع محتوى:
«محدش عايز يشوفك.»
وهو نفسه يشاهده يوميًا!
ويعرف كل فيديو نزله.
ويعرف من ظهر معه.
ويعرف أخباره.
ويعلق باستمرار.
ثم يقول:
«نفسي يختفي.»
إذا كنت تريد حقًا ألا تراه…
اختفِ أنت من جمهوره.
أنت تكرهه… لكنك قد تكون أفضل موظف تسويق لديه
وهذه النقطة لا يفهمها كثيرون.
المنصات الرقمية تعمل بأنظمة توصية معقدة، والتفاعل أحد الإشارات التي تدخل في تحديد ما يجذب اهتمام المستخدمين وانتشار المحتوى.
ولذلك فالمشاهدة والتعليق والردود المتبادلة والمشاركة قد تمنح المحتوى نشاطًا وانتباهًا إضافيًا حتى لو كان سبب تفاعلك هو الغضب.
لا يعني هذا أن كل تعليق سلبي سيجعل المنشور ينتشر حتمًا؛ فالخوارزميات أعقد من معادلة واحدة.
لكن المعنى البسيط يظل صحيحًا:
أنت تمنح شيئًا تكرهه وقتك وانتباهك وتفاعلك.
تدخل لتشتم.
فيرد صاحب الحساب.
فترد عليه.
ثم يأتي شخص يدافع عنه.
فتدخل معه في نقاش.
فيصل عدد التعليقات إلى المئات.
ثم يأتي مستخدم جديد فيرى الضجة فيفتح الفيديو بدافع الفضول.
وهكذا يكون كارهو المحتوى أحيانًا هم الذين صنعوا حوله أكبر دائرة اهتمام.
يا لها من مفارقة:
أردت أن تطفئه، فحملت إليه الوقود.
«شوفوا التفاهة دي» قد تكون إعلانًا مجانيًا
كم مرة رأينا شخصًا يعيد نشر مقطع ويكتب:
«بصوا المستوى وصل لفين!»
فيشاهده عشرة آلاف شخص لم يكونوا يعرفون صاحب المقطع أصلًا.
ثم يعاد نشره ثانية تحت عنوان:
«الناس دي لازم تتوقف.»
ثم يصنع شخص ثالث فيديو رد.
ورابع تحليلًا.
وخامسًا سخرية.
وفي النهاية يصبح الشخص الذي قالوا إنهم يريدون اختفاءه ترندًا.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا:
هل هدفنا مقاومة المحتوى فعلًا؟
أم أننا نستمتع بالغضب منه؟
لأن الغضب نفسه أصبح محتوى.
والهجوم أصبح صناعة.
والسخرية أصبحت مادة تجذب المشاهدات.
ليس كل شيء يحتاج رأيك
ربما هذه الجملة أصبحت صعبة في عصر السوشيال ميديا:
ليس كل شيء يحتاج رأيك.
ليس عليك أن تدخل كل معركة.
ولا أن تصحح كل شخص.
ولا أن تعلن كل نفور.
ولا أن تكتب تحت كل وجه ما تراه في شكله.
ولا أن تخبر إنسانة أن وزنها لا يعجبك.
ولا رجلًا أن صوته يزعجك.
ولا فتاة أن ملابسها بشعة.
ولا صانع محتوى أن ضحكته مستفزة.
هناك أشياء اسمها:
ذوق.
واختلاف.
وعدم توافق.
والحل الذي صنعته التكنولوجيا نفسها لهذه الحالات في منتهى البساطة:
بلوك
البلوك أرحم من ألف إهانة
لماذا نتصرف أحيانًا كأن البلوك عقوبة؟
قد يكون رحمة.
رحمة بك.
ورحمة به.
أنت لن ترى ما يزعجك.
وهو لن يتلقى منك طاقة سلبية كل يوم.
والخوارزمية ستفهم تدريجيًا أنك لا تريد هذا النوع من المحتوى.
وينتهي الأمر.
لا حرب.
لا تشهير.
لا حشد.
لا سخرية جماعية.
ولا شخص يغلق هاتفه في نهاية اليوم وفي داخله ألف صوت يقولون له إنه بشع وفاشل وغير مرغوب فيه.
أما إذا كان المحتوى مؤذيًا فعلًا… فهناك فرق
لا أقول:
اعمل بلوك أمام جريمة.
ولا أقول:
تجاهل الاحتيال أو التحرش أو خطاب الكراهية أو الاستغلال.
إذا كان المحتوى مخالفًا أو يضر الناس:
بلّغ عنه.
إذا احتوى معلومة كاذبة خطيرة:
صححها بالدليل.
إذا كانت هناك جريمة:
وثقها وأبلغ الجهات المختصة.
إذا كان لديك نقد فكري:
ناقش الفكرة.
لكن هناك فرق شاسع بين:
«هذه المعلومة خاطئة للأسباب التالية.»
وبين:
«أنت إنسان قذر.»
بين:
«هذا السلوك غير مقبول.»
وبين:
«يا رب تختفي.»
بين النقد وبين محاولة سحق الإنسان.
لا تكن الرقم ١٠٠١
تصور أن شخصًا تلقى ألف تعليق سلبي.
تدخل أنت.
تقرأها.
ثم تكتب التعليق رقم ١٠٠١.
لماذا؟
هل كان ينقص المشهد صوتك؟
هل أضفت معلومة؟
هل منعت ضررًا؟
هل أصلحت شيئًا؟
أم أردت فقط أن تشعر للحظة أنك واقف مع الحشد؟
تذكر:
الحشد لا يملك يدًا واحدة.
كل يد فيه يد إنسان منفرد.
وكل تعليق كتبه شخص كان يستطيع ألا يكتبه.
فلا تختبئ وراء:
«كل الناس بتقول.»
أنت لست «كل الناس».
أنت مسؤول عن الكلمة التي كتبتها أنت.
ربما يكون تعليقك آخر ما يحتاجه إنسان منهك
لن تعرف.
وهذه هي الفكرة.
ربما لن يكون له أي تأثير.
وربما يضحك صاحب الحساب عليه.
وربما يكون قويًا فعلًا.
لكن ربما أيضًا يكون في أسوأ يوم في حياته.
وربما سبق تعليقك شجار في منزله.
أو خبر مرض.
أو خسارة.
أو اكتئاب.
أو شعور بالفشل.
ثم يفتح هاتفه فيجد مئات الغرباء يخبرونه أنه لا قيمة له.
لن تعرف أبدًا أين تقع كلمتك في قصة إنسان.
لذلك ربما تكون الرحمة في العالم الرقمي ليست أن تقول كلامًا جميلًا للجميع.
بل أحيانًا:
أن تمتنع عن قول الكلام القاسي الذي لا ضرورة له.
مش عاجبك؟ اخرج بهدوء
المسألة في النهاية أبسط مما صنعنا منها.
لا يعجبك؟
بلوك
لا يناسبك؟
الغي المتابعة
لا تريد أن تقترحه لك المنصة؟
غير مناسب
مخالف؟
تقرير
عندك نقد حقيقي؟
اكتبه بأدب.
أما أن تقضي يومك في مشاهدة إنسان لا تحبه فقط لكي تكتب له أنك لا تحبه، فهذه ليست مقاومة للمحتوى.
إنها علاقة غريبة بالمحتوى الذي تزعم أنك ترفضه.
وأحيانًا يكون البلوك أقوى من الشتيمة.
لأن الشتيمة تقول:
«أنت تشغلني.»
أما البلوك فيقول:
«أنا اخترت ألا أمنحك من وقتي شيئًا.»
وهذه نقطة البداية التي يجب أن نفهمها قبل أن نصل إلى الوجه الآخر للمشكلة:
حين لم نعد نكتفي بالقسوة خلف الشاشة…
بل حملنا الهاتف معنا إلى الطريق.
ورأينا إنسانًا يسقط.
وبدل أن تمتد اليد لإنقاذه…
امتدت الكاميرا لتصويره.
فلنفق ولنعد لمبادئنا ولنوقظ الانسان فينا .
حفظكم الله جميعا ..
مع تحياتي ..
نعمه حسن


