الرئيسيةUncategorizedالخوف خطوة في
Uncategorized

الخوف خطوة في

الخوف خطوة في

الخوف خطوة في الممر نحو التحول

بقلم / محمد جابر

الخوف خطوة في

الممر مئة وتسعة عشر
قال لي لماذا يبدو أن الخوف يسبق دائما لحظات التحول الكبرى في حياة البشر والأنبياء هنا لفت انتباهي السؤال
ابتسمت وقلت له لأن الخوف يا صديقي ليس ضعف كما يتصوره كثيرون بل شعور إنساني فطري يطرق أبواب القلوب ولا يستثني أحدا مهما علت مكانته أو سمت رهبانيته
تاريخ الإنسان مليء بصفحات كتبت بالحيرة والخوف قبل أن تكتب باليقين والطمأنينة وكأن الخوف هو البوابة التي تعبر منها الأحداث العظيمة حيث سطر التاريخ بحروفه بل والأديان بمجملها
تأملت قصة سارة التي عاشت سنوات طويلة تخشى أن تبقى عاقرا ومع ذلك تذكر الرواية التوراتية أن الله بشرها بولد رغم كبر سنها فولدت إسحاق ابن النبي إبراهيم ذلك الابن الذي صار أحد الآباء الكبار في تاريخ بني إسرائيل ومن نسله جاء يعقوب والأسباط
هز الرجل رأسه وقال كأن الخوف كان بداية الطريق
قلت له بل هو بداية الطريق في كثير من الأحيان
يوسف أيضا كان خائفا أن يقضي عمره في السجن ظلما بعد مكيدة زليخه لكن السجن تحول إلى محطة في طريقه وخرج منه ليصبح عزيز مصر وصاحب التدبير في سنوات المجاعة
ثم داود الذي عاش زمنا طويلا خائفا من بطش شاول الذي طارده في الجبال لكن المطاردة انتهت بأن صار داود ملك لبني إسرائيل واشتهر بالحكمة والشجاعة
قال الرجل كأن التاريخ يعيد الحكاية نفسها كل مرة
قلت له لم يكن الأمر هكذا لكن تداعيات الأحداث واسترجاع الماضي تعكس رؤية تكاد تشابه ما نحياه والتطابق الكامل لا يحدث إلا في آلة الزمن
حتى الشعوب عرفت هذا الشعور بنو إسرائيل كانوا خائفين من الغرق عندما لاحقهم فرعون وجنوده لكن البحر نفسه تحول إلى طريق نجاة حين انشق أمامهم في واحدة من أشهر الروايات في التراث الديني
ظل الرجل صامتا لبرهة ثم قال وماذا عن يسوع
قلت له تروي المسيحية لحظة إنسانية عميقة في بستان جثسيماني ربما كان البستان مجرد بقعة هادئة عند سفح جبل الزيتون لكن تلك الليلة حولته إلى أحد الممرات الفارقة في تاريخ الإنسانية حيث يلتقي الخوف باليقين قبل أن يكتشف الإنسان أن الممر لا يتوقف عند لحظة الألم بل يمتد بعدها إلى حكاية أكبر من الجميع حين اشتد على يسوع المسيح ثقل ما ينتظره من آلام
ثم سألني سؤالا يتكرر في الثقافة العربية ما الفرق بين يسوع وعيسى قلت له الاسم يشير إلى الشخصية نفسها لكن الاختلاف جاء من انتقال الاسم بين اللغات فاسم يسوع أقرب إلى الأصل العبري يشوع بينما جاء في القرآن الكريم بصيغة عيسى
ابتسم الرجل وقال يبدو أن اللغة إن لم تعي عذوبة مرارتها ستظل تائهة في ممراتها
ثم تذكرت معه لحظة أخرى من لحظات التاريخ حين عاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من غار حراء مضطرب بعد نزول الوحي لأول مرة وهو يقول زملوني زملوني كانت رهبة اللحظة عظيمة لكن تلك اللحظة تحولت بعد قليل إلى يقين برسالة غيرت وسجلت العديد من أحداث التاريخ
وقبل أن ينصرف الرجل نظرت حولي فلاحظت سخط كبير ومناوشات بين أفراد الممر وأجواء تتشابه مع لحظات خوف مررت بها من قبل قلت له هل ترى ما أراه
قال أرى القلق في العيون والخوف يملأ القلوب
والجوع يقرع البطون والضغينة تتأهب للظهور وكأن كل واحد يحمل الكثير ولا يعرف كيف يفرغ ما في داخله
قلت له هذه طبيعة الممرات حين تضيق بالرؤى يظن الناس أن الخوف نهاية الممر لكنها دوما البداية وهكذا التاريخ يحاكيها كم من خوف ظنه الناس نهاية فإذا به بداية
وقف الرجل لحظة يتأمل الممر الممتد أمامنا ثم قال ربما نحن الآن في إحدى تلك اللحظات فقلت له وبهدوء ربما الممرات لا تكشف أسرارها عند أول منعطف بل عند الخطوة التي يظن صاحبها أنه لم يعد قادر على السير ثم يكتشف فجأة أن الممر ما زال يمتد أمامه نحو أفق لم يره من قبل وأن الممر دائما يترك بابه مفتوحا للجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *