الرئيسيةمقالاتالزار
مقالات

الزار

الزار..

بقلم / نعمة حسن

سرُّ الطبول والصراخ الذي حيَّر الناس: هل كان خرافة أم علاجًا نفسيًا سبق عصره؟

ما إن تُذكر كلمة “الزار” حتى تتزاحم في الأذهان صور النساء اللاتي يرقصن على إيقاع الطبول، والبخور الذي يملأ المكان، والصراخ الذي يعلو فجأة، وحكايات الجن والأرواح التي تناقلتها الأجيال. لكن السؤال الحقيقي ليس: ما هو الزار؟ بل: لماذا استمر مئات السنين؟ ولماذا كانت عائلات كاملة تستعين به رغم ما أثير حوله من جدل؟
الزار ليس مجرد رقصة، ولا مجرد طقس شعبي، بل هو موروث ثقافي معقد يجمع بين الموسيقى والاعتقاد الشعبي والطقوس الجماعية، وانتقل إلى مصر عبر منطقة البحر الأحمر، ويرجح كثير من الباحثين أنه جاء من الحبشة والسودان ثم امتزج بالعادات المحلية حتى أصبح جزءًا من التراث الشعبي المصري.
كانت الأسر قديمًا تلجأ إلى الزار عندما تعجز عن تفسير ما يصيب أحد أفرادها من حالات مثل الحزن الشديد، أو القلق، أو الأرق، أو الصراخ المفاجئ، أو الانعزال، أو الإغماءات المتكررة. وفي زمن لم يكن فيه الطب النفسي متاحًا لعامة الناس، رأى كثيرون أن الزار قد يكون وسيلة لفهم ما يحدث ومحاولة التعامل معه.
وكانت تقود الجلسة امرأة تُعرف باسم “الكودية” أو “شيخة الزار”، وهي صاحبة الخبرة بطقوس الزار وأناشيده، ويعاونها العازفون والمنشدون. وكانت لكل جلسة قواعد غير مكتوبة؛ تبدأ بإشعال البخور، ثم عزف إيقاعات محددة على الطبول والدفوف وآلات شعبية أخرى، مع ترديد أغانٍ يعتقد أنها تخاطب الأرواح التي يؤمن المشاركون بوجودها.
لكن لماذا الطبول؟ ولماذا الصراخ؟
لأن الإيقاع المتكرر والسريع يؤثر في تركيز الإنسان وانفعالاته، ومع الرقص المستمر لساعات يدخل بعض المشاركين في حالة من الاندماج أو الغياب الجزئي عن الوعي، وهو ما يفسره علماء النفس بأنه حالة استغراق أو نشوة جماعية قد يصاحبها تنفيس انفعالي شديد، فيبكي الشخص أو يصرخ أو يضحك أو يرقص بعنف، ثم يشعر بعد ذلك بارتياح مؤقت. أما المعتقد الشعبي فكان يفسر ذلك على أنه استجابة من “الزار” أو “الروح”.
وكان لكل روح – بحسب الاعتقاد الشعبي – لون معين، وعطر معين، وأغانٍ خاصة، بل وأطعمة أو قرابين يقال إنها ترضيها. لذلك كانت بعض جلسات الزار تتضمن ذبح دجاج أو خراف، أو ارتداء ملابس بألوان محددة، أو حمل سيوف أو عصي في بعض المناطق.
ولم يكن الزار مقتصرًا على طبقة اجتماعية بعينها؛ فقد عرفته بيوت الفقراء والأغنياء على السواء، وكانت بعض الأسر تستدعي الكودية إلى المنزل عندما تفشل كل المحاولات الأخرى في علاج من يظنون أنه “ملبوس” أو “مصاب بالزار”. كما ارتبط الزار عند بعض النساء بمراحل حياتية صعبة، مثل الحمل والولادة أو الضغوط الأسرية، حيث وفر لهن مساحة للتعبير عن مشاعر مكبوتة في مجتمع لم يكن يسمح بذلك بسهولة.
ومع تطور الطب، بدأ الباحثون ينظرون إلى الزار بطريقة مختلفة. فلم يعد السؤال: هل الجن حاضر؟ بل أصبح: ماذا يحدث داخل عقل الإنسان أثناء جلسة الزار؟
تشير دراسات في الأنثروبولوجيا والطب النفسي إلى أن جلسات الزار قد تحقق لبعض المشاركين شعورًا بالراحة النفسية نتيجة عدة عوامل مجتمعة، منها الموسيقى الإيقاعية، والرقص، والدعم الاجتماعي، والإحساس بالانتماء إلى جماعة تتفهم معاناتهم، والتنفيس عن المشاعر المكبوتة. ولهذا وصف بعض الباحثين الزار بأنه يؤدي لدى بعض الأشخاص وظيفة علاجية نفسية أو اجتماعية، لكن هذا لا يعني أنه علاج طبي مثبت للأمراض النفسية أو الجسدية.
أما الادعاءات الشائعة بأن الزار يطرد الجن، أو يخرج “الطاقة السلبية”، أو يشفي الأمراض العضوية، فلا توجد حتى الآن أدلة علمية موثوقة تثبتها. وتشير المراجعات الحديثة إلى أن ما يشعر به بعض المشاركين من تحسن يمكن تفسيره بعوامل نفسية واجتماعية وثقافية، وليس بإثبات وجود قوة علاجية خاصة في طقوس الزار نفسها.
ولهذا ينظر الباحثون اليوم إلى الزار بوصفه تراثًا ثقافيًا وإنسانيًا يعكس طريقة المجتمعات القديمة في تفسير المعاناة النفسية قبل ظهور الطب الحديث، أكثر من كونه وسيلة علاج مثبتة علميًا.
وربما لهذا السبب ظل الزار حاضرًا في الأغاني والأفلام والحكايات الشعبية حتى بعد تراجع انتشاره؛ لأنه لم يكن مجرد طقس، بل كان مرآة لزمنٍ حاول فيه الإنسان أن يجد تفسيرًا لآلامه بما امتلكه من معتقدات وأدوات.
ويبقى السؤال الذي يثير الفضول حتى اليوم:
هل كان الزار خرافة خالصة، أم أنه كان محاولة شعبية مبكرة للعلاج النفسي قبل أن يمنحها العلم أسماءً جديدة؟
مع تحياتي ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *