كتب /أسامة خطاب
من أكثر العبارات التي تؤلمني حين أسمعها عند إنكشاف عثرة أحد الناس قول بعضهم: “لقد إنتهى رصيده من الستر”.
وكأن ستر الله على عباده مقدارٌ محدود ينفد، وكأن أبواب الرحمة أغلقت وأنقطعت أسباب التوبة والإنابة.
والحق أن الستر نعمةٌ من الله تعالى يمنّ بها على من يشاء من عباده بحكمته ورحمته، وليس لأحدٍ أن يتكلم في أسرار الله مع خلقه فقد يستر الله عبدًا سنين طويلة وهو يفتح له أبواب الرجوع إليه، وقد يبتلي عبدًا بانكشاف أمره في أول زلة ليوقظه من غفلته، وقد يجعل فيما يراه الناس فضيحةً بابَ توبةٍ ورحمةٍ.
لو كان رصيد العبد قد انتهى من الستر عند رؤيته في معصية فما معنى الحث على ستر المسلم لأخيه المسلم؟ وما معنى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»؟
وقد ورد أن رجلًا يُقال له هَزَّال أشار على ماعز رضي الله عنه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بما وقع فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرًا لك».
فالمؤمن الصادق إذا رأى زلة أخيه لم ينشغل بالحكم عليه، وإنما ينشغل بالنظر إلى نفسه. يعلم أن الذي ستر غيره قادرٌ على أن يستره، وأن الذي كشف غيره قادرٌ على أن يكشفه، فيزداد خوفًا من الله، وشكرًا على العافية، ورحمةً بالخلق.
وما أحوجنا اليوم إلى قلوبٍ ترحم بدل أن تشمت، وتدعو بدل أن تفضح، وتعتبر بدل أن تتعالى. فإذا بلغك خبر عثرة إنسان، فلا تجعل أول ما يجري على لسانك أحكامًا على منزلته عند الله أو على مصيره، فإن ذلك من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولكن قل: اللهم استرنا بسترك الجميل، واعفُ عنا وعن عبادك، وأصلح أحوالنا، ولا تجعل مصائب الناس مجالًا لشماتتنا، ولا عيوبهم مادةً لأحاديثنا.

فمن عرف نفسه إشتغل بإصلاحها، ومن عرف ربه رجا رحمته وخاف عقابه، ومن عرف الدنيا علم أن السلامة فيها فضلٌ من الله لا استحقاق، وأن العافية منحةٌ تستوجب الشكر لا سببٌ للتعالي على الخلق.
من أكثر العبارات التي تؤلمني حين أسمعها عند انكشاف عثرة أحد الناس قول بعضهم: “لقد انتهى رصيده من الستر”.
الستر نعمة من الله يمن بها على من يشاء

