الرئيسيةغير مصنفالشاشة التي جمعت العالم… وفرقت الجالسين حول المائدة
غير مصنف

الشاشة التي جمعت العالم… وفرقت الجالسين حول المائدة

تحقيق صحفي

الشاشة التي جمعت العالم… وفرقت الجالسين حول المائدة

كتبت : ساهرة رشيد / العراق

في أحد المقاهي، يجلس خمسة أصدقاء حول طاولة واحدة. تتجاور أكواب الشاي وفناجين القهوة، لكن الأحاديث تكاد تغيب. كل واحد منهم ينظر إلى شاشة هاتفه، يمرر أصابعه بين الرسائل ومقاطع الفيديو والإشعارات المتلاحقة، فيما يخيم الصمت على اللقاء الذي كان يفترض أن يكون مساحة للحوار والدفء الإنساني.
هذا المشهد لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. فالهواتف الذكية لم تعد مجرد وسيلة للاتصال، وإنما تحولت إلى شريك دائم في العمل والدراسة والترفيه وإدارة العلاقات الاجتماعية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة: هل قربت هذه الأجهزة المسافات بين الناس، أم أنها خلقت مسافات جديدة رغم القرب الجسدي؟

يرى أستاذ الاعلام كلية الآداب في جامعة الموصل أ.د. علي أحمد المعماري
أن تغير طريقة تعامل الناس مع مشاعرهم أمر طبيعي يرافق التطور التكنولوجي، فالسلوك الإنساني يتكيف مع الأدوات الجديدة باستمرار. ويشير إلى أن بعض أنماط النشر عبر منصات التواصل، ولا سيما استعراض مظاهر الترف والإسراف، قد تترك آثارا نفسية لدى الآخرين، خصوصا في المجتمعات التي تتسع فيها الفوارق الاقتصادية، ويختصر رؤيته بالقول إن الهاتف الذكي أصبح “سيفا ذا حدين”، فهو يقدم فوائد كبيرة، لكنه يحمل آثارا اجتماعية ونفسية لا يمكن تجاهلها.
ومن زاوية أخرى، يؤكد أستاذ الحاسبات/ جامعة بغداد أ.د. مجبل الجوعاني أن الهواتف الذكية لم تغير وسائل الاتصال فحسب، بل أسهمت في إدخال قيم وأفكار وثقافات جديدة إلى المجتمع، كما عززت ثقافة الإدمان الرقمي، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات الإنسانية. ويرى أن التواصل الافتراضي أصبح، في كثير من الأحيان، بديلا عن اللقاء المباشر، وهو ما أدى إلى تراجع مساحة التفاعل الإنساني الحقيقي.

ولا يقتصر هذا التأثير على النخب الأكاديمية، بل ينعكس أيضا في الحياة اليومية. فـأم مهند (55 عاما) تلاحظ أن الأطفال والمراهقين هم الأكثر تأثرا بالهواتف الذكية، لأنهم يستخدمونها في عمر مبكر من دون وعي كاف. وتشير إلى أن منصات التواصل المفتوحة، مثل فيسبوك وإنستغرام، تمنح تأثيرا أوسع من تطبيقات المراسلة الوات ساب، لكنها في الوقت نفسه تعترف بأن الهاتف سهل التواصل مع الأقارب والأصدقاء، مهما تباعدت المسافات.

في المقابل، تقدم أم أحمد (55 عامًا) رؤية مختلفة، إذ لا تعتقد أن الهاتف هو المسؤول الأول عن تراجع العلاقات الإنسانية، بل ترى أن الظروف الاقتصادية وضغوط الحياة هي التي تدفع كثيرا من الناس إلى الانعزال. وتؤكد أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وأن الهاتف أسهم في تقريب من فرقتهم المسافات، وجعل العالم أكثر ترابطا، بينما يبقى الاستخدام الخاطئ هو المشكلة الحقيقية.
أما الصحفية زينب الكعبي، فترى أن الهواتف الذكية غيرت سلوكيات المجتمع بصورة واضحة، إذ يسرت إنجاز كثير من الأعمال اليومية، لكنها في المقابل شجعت على الإفراط في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وأهدرت جانبا كبيرا من الوقت، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.

ومن بين أبناء الجيل الرقمي ،علي كمال (22 عاما) الذي يسلط الضوء على رؤية مختلفة، إذ يقول إن الهاتف الذكي لم يعد مجرد جهاز، بل أصبح امتدادا لحياته اليومية. فمن خلاله يتابع دراسته، وينجز عمله، ويتواصل مع أصدقائه، وينظم وقته، ويقضي أوقات الترفيه. ويصف الهاتف بأنه “المفتاح الذي يربطنا بكل ما نحتاجه في ثوان معدودة”، في تعبير يعكس طبيعة العلاقة التي نشأت بين الشباب وهذه التكنولوجيا.
وتنسجم هذه الآراء مع ما يطرحه علم الاجتماع والذي بينته السيدة سهاد العبيدي الذي ينظر إلى الهاتف الذكي بوصفه وسيطا اجتماعيا أعاد تشكيل أنماط الحياة اليومية. فهذه الأجهزة لم تعد مجرد أدوات للاتصال، بل أصبحت محورا لإدارة العمل والتعليم والعلاقات والخدمات، وأسهمت في إنشاء فضاءات رقمية جديدة تجمع البشر رغم اختلاف أماكنهم وثقافاتهم. لافتا إلى أن هذا التحول فرض تحديات تتعلق بضعف التواصل المباشر، وتراجع الخصوصية، وتغير طبيعة الروابط الإنسانية.
تكشف الآراء، على اختلافها، أن الهاتف الذكي ليس متهما مطلقا ولا بطلا مطلقا. فهناك من يراه وسيلة للتقارب، وآخرون يعدونه سببا في اتساع الفجوة بين البشر، بينما يربط فريق ثالث تأثيره بطريقة الاستخدام أكثر من ارتباطه بالتكنولوجيا نفسها.
وربما تكمن المفارقة في أن الإنسان اليوم يستطيع التواصل مع شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات بضغطة زر، لكنه قد يعجز عن إجراء حديث طويل مع من يجلس إلى جواره. وبين هذا القرب الرقمي والبعد الإنساني، يبقى السؤال مفتوحا: هل نجح الهاتف الذكي في تقليص المسافات، أم أنه جعل المسافة الأكبر هي تلك التي تفصل القلوب عن بعضها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *