كتب رياض الفرطوسي

لطالما درّستنا أدبيات العلوم السياسية أن “الدولة” هي العقد الاجتماعي المبرم بين الحاكم والمحكوم لحماية البقاء. لكن الواقع على أرض الرافدين يفرض قراءة مغايرة تماماً تعيدنا إلى أطروحة الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز عن “حالة الطبيعة”، حيث لا قانون يعلو فوق صوت القوة، وحيث تصبح السلطة مجرد أداة حصرية لحماية الذات من بطش الآخرين. ما يتردد في الصالونات السياسية العراقية والإعلام اليومي حول “الخوف من سقوط التجربة” ليس قلقاً على وطن، بل هو ذعر شريحة نخبوية تدرك أن غطاء “الشرعية” هو حصنها الأخير ضد غضبة الشارع.
المنظومة الحاكمة ليست عاجزة عن بناء دولة، بل هي مستفيدة من الـلادولة. في كتابه الشهير المجتمع الفاشل، يشير عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك إلى كيف يمكن لشبكات المصالح أن تحول المؤسسات السياسية السيادية إلى “شركات مساهمة خاصة” تُدار برأس مال عام لحسابات شخصية وطائفية. هنا يتحول مفهوم المواطنة من حق دستوري إلى “حصة في الفريسة”، وتصبح الدساتير والقوانين مرنة كالمطاط، تُفصّل لحماية المفسد وتجريم المصلح. وحين تهتز الأرض تحت أقدام هذه النخبة، يتم تفعيل الاستراتيجية الكلاسيكية التي تحدث عنها المفكر الأمريكي نوام تشومشكي في آليات السيطرة وتوجيه الرأي العام: “صناعة العدو الداخلي والمخاوف الوهمية”، فيتحول الحديث عن سرقة المليارات إلى صراع على الهوية والمكون لإعادة شحن العواطف وبناء جدران الحماية النفسية بين أبناء الوطن الواحد.
لكن المراهنة على دوام هذا الوضع تفككها حتمية التاريخ؛ فالأنظمة الريعية التي تتغذى على عوائد النفط لا تموت بضربة قاضية كما حدث في الثورات التقليدية، بل تتآكل ببطء شديد يماثل انهيار الإمبراطورية الرومانية من الداخل بفعل التضخم والفساد الإداري. السيناريو القادم ليس ثورة شاملة تقتلع كل شيء، بل هو مخاض عسير وطويل الأمد: جفاف منابع المال (الغنيمة) مع الانفجار السكاني سيجعل الإخوة الأعداء ينقلبون على بعضهم في حرب كسر عظم داخلية. هذا “الموت السريري” للدولة هو أخطر ما يمكن أن تواجهه الأجيال الجديدة؛ لأنه يحول الفوضى إلى نمط حياة يومي، ويجعل من فكرة “الدولة الفاشلة” واقعاً جغرافياً معيشاً، حيث يصبح السلاح والمال الحرام هما البديل الوحيد للأمل المفقود.
الفريسة

