الفقر الاقتصادي بسبب الفقر العقلي
الممر مئة واحدي عشر
بقلم / محمد جابر
في هذا الممر قد تختلف الحكاية شكلا ومضمونا لاسيما حين تتبدل العناوين غير أن الحقيقة تظل أكثر ثباتا من اللافتات فالمكتب هو المكتب والكرسي هو الكرسي والوجوه وحدها هي التي تتغير أما القواعد فتبقى راسخة في توريث الخطأ حتى يغدو معتادا فتصبح عملية تدوير المسؤولية بالتبعية ليكون إعادة إنتاج الممر هي بيروقراطية ولكنها بثوب ديمقراطي مهترئ
على باب هذا الممر جلس حراميان على الكرسي نفسه يفصل بينهما قرار تعيين الأول غادر منصبه كما يغادر لاعب محترف مباراة محسومة النتائج بلا مساءلة حقيقية وبلا فتح جاد للملفات والثاني صعد إلى الكرسي ذاته لا ليغير بل ليكمل نفس المسار داخل نفس الممر
نحن أمام ممر إداري بالغ الانسجام حتى صار كثيرون لا يرون في الخلل انحراف بل امتداد طبيعي لما سبقه وأصبح طعم الخزي يتجرعه الغني علقما بينما الفقير تعددت آلامه وما عاد يقوى حتى على الصراخ
هذه الصورة ليست إلا استعارة لواقع أوسع تتكرر فيه القصة على مستوى السياسات العامة فكما ورث الصغير خطيئة الكبير ورثت الإدارة الاقتصادية منطق التخلي عن الدور التنظيمي للدولة تحت لافتة السوق الحرة دون أن ترث في المقابل منظومة الحماية والرقابة التي تجعل من الحرية الاقتصادية إطار منضبط لا فوضى أحتكارية
خدعوك فقالوا إن مفهوم السوق الحرة بوصفه الخلاص من كل أشكال التدخل الحكومي وصور الأمر وكأن التسعيرة المنضبطة جريمة أيديولوجية أو بقايا مرحلة اشتراكية منقضية غير أن التجارب المقارنة في الدول الرأسمالية الكبرى تكشف أن الحرية الاقتصادية هناك لا تعني غياب الدولة بل حضورها الصارم عبر قوانين منع الاحتكار وتحديد هوامش الربح في أوقات الأزمات وفرض رقابة مؤسسية فعالة تحمي المستهلك باعتباره جزء من الأمن الاقتصادي الوطني
أما في سياق هذا الممر فقد جرى الاكتفاء باستيراد الشق الأكثر قسوة من النموذج وهو رفع الدعم وتحرير الأسعار بينما تركت أدوات الضبط والمساءلة حبيسه وهكذا تحولت التجارة الحرة من آلية لتنشيط المنافسة إلى مظلة تبريرية لزيادات غير منطقية في الأسعار في ظل ضعف واضح في تفعيل قوانين حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية
وضعف ووهن صريح في الأجور
الإشكالية إذن لا تكمن في الرأسمالية كنظام اقتصادي بقدر ما تكمن في طريقة إدارتها فالرأسمالية بلا قانون تتحول إلى غابة …وبلا رقابة تصبح إعادة إنتاج لامتيازات قلة على حساب أغلبية…. وهنا يتكرر مشهد الكرسي ذاته فبدلا من محاسبة السياسات يتم تدويرها …وبدلا من مراجعة الاختيارات يجري تجميلها خطابيا …تحت عناوين الإصلاح والتطوير
وبالتعمق داخل هذا الممر يتضح الارتباط بشروط التمويل الخارجي حيث تفرض برامج كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حزمة من الاشتراطات التي تركز على ضبط المالية العامة وتقليص الدعم وتحرير سعر الصرف وهي إجراءات قد تكون مفهومة في إطار تحقيق التوازن الكلي لكنها تتحول إلى عبء اجتماعي مجحف حين لا تقترن بسياسات حماية فعالة للفئات الأكثر أحتياجا وبإصلاح إداري يضمن عدالة التطبيق وشفافية القرار نحو إجراءات رفع الأجور
الممر هنا يتسع من مكتب صغير إلى فضاء دولة كاملة الفساد فيها ليس اختلاس مالي فحسب بل خلل هيكلي في ترتيب الأولويات وفي غياب المساءلة وفي الاكتفاء بنقل أدوات الفقر الاقتصادي من يد إلى يد دون مراجعة جذرية لنهج بات يدار أكثر مما يفهم ليورث جهاله تصل إلي الفقر العقلي
وفي نهاية الممر بات السؤال حتميا هل ما يجري إصلاح اقتصادي حقيقي أم مجرد تطوير في أدوات الجباية وإعادة توزيع الأعباء من الأعلى إلى الأسفل الفارق لا تحدده الشعارات بل تحدده قدرة الدولة على فرض القانون بعدالة وحماية مواطنيها من تغول السوق فالفقر العقلي اخطر من الفقر الاقتصادي لانه يتوارثة الأجيال تباعا
واعني هنا بالفقر العقلي غياب التخطيط والجمود البيروقراطي واستنساخ نماذج بلا فهم وانعدام المساءلة كل هذا واكثر
فالاقتصاد ينهار حين يخطئ القرار أما العقول حين يتعمد فقرها فإنها تعيد إنتاج الانهيار جيلا بعد جيل
وهكذا يحاكي الممر الكرسي فإذا كان الكرسي لا يتغير والمكتب لا يتغير والضحايا هم أنفسهم فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ بتبديل الأسماء بل بإعادة تعريف وظيفة السلطة ذاتها من سلطة تكتفي بإدارة الأزمات ورفع التقارير إلى سلطة تؤسس لمنظومة عدل اقتصادي تعالج جذور الفقر الفكري قبل مظاهره المالية ويكون فيها القانون فوق الجميع لا مجرد لافتة معلقة في نهاية الممر
الفقر الاقتصادي بسبب الفقر العقلي


