الرئيسيةاخبارالفلسفة… أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني
اخبار

الفلسفة… أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني

الفلسفة... أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني

الفلسفة… أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني
بقلم محمد عطا القطيعي

لماذا يخاف بعض الناس من الفلسفة، وهي التي أيقظت العقل، وأطلقت الأسئلة الكبرى، ومهّدت الطريق لكل علم، ولكل حضارة، ولكل نهضة عرفها الإنسان؟
ليس الخوف من الفلسفة خوفًا من كلماتٍ تُقال، ولا من كتبٍ تُقرأ، وإنما هو خوفٌ من السؤال؛ لأن السؤال بداية اليقظة، واليقظة بداية التحرر، والتحرر بداية النهضة. وما من أمةٍ ارتقت إلا حين سمحت لعقول أبنائها أن تسأل، وأن تبحث، وأن تناقش، وأن تُمحِّص، لا أن تُسلِّم لكل ما يُلقى إليها دون بصيرة.
الفلسفة ليست ترفًا فكريًا، ولا لهوًا ذهنيًا، كما يصورها بعض الناس، بل هي الجذر الأول الذي نبتت منه شجرة المعرفة الإنسانية. فمن رحمها وُلدت الرياضيات، ومنها استقلت الفيزياء، ومنها خرجت الكيمياء، وعلى أكتافها نشأت علوم الطب، والفلك، والسياسة، والقانون، والاقتصاد، وعلم النفس، والاجتماع، حتى غدت كل هذه العلوم فروعًا لشجرةٍ كان أصلها سؤالًا فلسفيًا كبيرًا.
ولولا الفلسفة ما سأل الإنسان: ما الكون؟ وما الإنسان؟ وما العدل؟ وما الحقيقة؟ وما الخير؟ وما الجمال؟ ولولا هذه الأسئلة لما قامت التجربة العلمية، ولا وُضعت المناهج، ولا ازدهرت الجامعات، ولا تقدمت الحضارات.
إن الفلسفة لا تُعطي الإنسان أجوبةً جاهزة، وإنما تُعلِّمه كيف يبحث عن الجواب، وكيف يزن الأفكار بميزان العقل، وكيف يفرِّق بين البرهان والدعوى، وبين الحقيقة والوهم، وبين اليقين والتقليد.
ولهذا كانت الفلسفة مدرسةً للعقل قبل أن تكون علمًا، وتربيةً للفكر قبل أن تكون ثقافةً، فهي التي تصنع الإنسان القادر على التفكير المستقل، لا الإنسان الذي يعيش أسيرًا لما يسمع دون نظر أو تدبر.
وقد شهد التاريخ أن الحضارات العظيمة لم تُبنَ بالسيف وحده، ولا بالمال وحده، وإنما بُنيت بالعقل أولًا. فحين ازدهرت الفلسفة في اليونان، ازدهرت معها العلوم. وحين احتضنتها الحضارة الإسلامية، ظهر الكندي، والفارابي، و، و، وغيرهم من العقول التي جمعت بين الحكمة والعلم، وبين الإيمان والتفكير، وبين العقل والنقل.
ولم تكن أوروبا لتشهد نهضتها الحديثة لولا أنها أعادت قراءة التراث الفلسفي، فكان ذلك أحد الجسور التي عبرت بها إلى الثورة العلمية والصناعية.
إن الأمم التي تُحارب التفكير، إنما تُحارب مستقبلها. والأمم التي تُصادر السؤال، إنما تُصادر قدرتها على الإبداع. فالعقل الذي لا يسأل، لا يكتشف، والعقل الذي لا يناقش، لا يتقدم، والأمة التي تخاف من الفكر، تبقى أسيرة الماضي مهما امتلكت من أسباب القوة.
وليس المطلوب أن نقبل كل رأيٍ فلسفي، ولا أن نُسلِّم بكل نظرية، فالفلسفة نفسها تقوم على النقد والمراجعة، وإنما المطلوب أن نُنصفها، وأن ندرك أنها كانت ولا تزال من أعظم أدوات الإنسان في صناعة الوعي، وبناء الحضارة، وتوسيع آفاق العقل.
إن الحضارة تبدأ بفكرة، والفكرة تبدأ بسؤال، والسؤال هو الابن الشرعي للفلسفة.
فإذا أردت أن تعرف مكانة الفلسفة، فانظر إلى كل علمٍ من حولك، تجد في جذوره سؤالًا فلسفيًا، وفي تاريخه عقلًا لم يخشَ التفكير، ولم يهرب من الحقيقة.
ولعل أعظم ما تهبه الفلسفة للإنسان أنها لا تُعلِّمه ماذا يفكر، بل تُعلِّمه كيف يفكر؛ وتلك هي الهبة التي قامت عليها الحضارات، وازدهرت بها الأمم، وارتفع بها الإنسان من أسر التقليد إلى فضاء المعرفة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العقل

الفلسفة… أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني

الفلسفة... أمُّ العلوم ومنارة العقل الإنساني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *