المردود الاقتصادي والأمني لمنظومة القيم والأخلاق
بقلم
الكاتب والأديب والباحث / سامي محمود
لا تنهض الدول الكبرى بالموارد وحدها، ولا تستقر بالجغرافيا فقط، ولا تُصان بالجيوش مهما بلغت قوتها وعديدها، إن لم يكن في عمقها ما يحرسها من الداخل، ويشدّ بنيانها من الأساس، ويمنحها مناعة أخلاقية تحميها من التآكل الصامت قبل أن تضربها العواصف العنيفة. فالدول، قبل أن تكون خرائط وحدودًا ومؤسسات، هي منظومات قيم، وشبكات وعي، وضميرٌ جمعيٌّ إذا صلح صلح معه كل شيء، وإذا فسد تسلّل الانهيار من حيث لا يُرى، وبلا ضجيج.
وفي مستهل هذا الحديث، يفرض الإنصاف الوطني والأمانة الفكرية أن نُثمِّن الدور العميق الذي تضطلع به الدولة المصرية، بمؤسساتها الوطنية العريقة، في صون منظومة القيم والأخلاق الحميدة، باعتبارها أحد الأعمدة الصلبة للأمن القومي وبنية الاستقرار المجتمعي. وفي القلب من ذلك تتجلى رؤية القيادة السياسية المصرية، ممثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي لم يتعامل مع القيم بوصفها شعارًا عابرًا أو خطابًا موسميًا، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا متكاملًا لإعادة بناء الوعي، وترميم الضمير العام، وتحصين المجتمع، وتطوير ٱليات توصيل الخطاب الديني بما يخاطب العقل والوجدان معًا، ويحفظ الثوابت، ويستوعب متغيرات العصر دون تفريط أو تشدد.
ومن هذا المنطلق، فإن منظومة القيم والأخلاق الإسلامية لا يمكن اختزالها في خطاب وعظي عاطفي، ولا في تراث يُستدعى عند الأزمات ثم يُعاد إلى الأرفف، بل هي في جوهرها العميق خيار استراتيجي للدولة، وبنية تحتية غير مرئية للأمن القومي، وركيزة أصيلة للاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي. فالدول لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل حين يسقط الضمير، وحين ينفصل السلوك الفردي عن المصلحة العامة، وحين يتحول القانون إلى نص بلا روح، والمؤسسات إلى هياكل بلا ثقة.
إن القيم والأخلاق الإسلامية، حين تُفهم بوصفها وعيًا عامًا وسلوكًا مؤسسيًا، لا مجرد تدين فردي أو طقوس معزولة عن الواقع، تتحول إلى طاقة بناء هائلة، تضبط إيقاع المجتمع، وتعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحق والواجب. وهي بذلك لا تناقض الدولة الوطنية الحديثة، بل تحميها، ولا تُضعف السلطة، بل تمنحها شرعيتها الأخلاقية، ولا تُقيّد التنمية، بل تؤمّن لها الاستدامة وتمنحها البعد الإنساني الذي يحفظها من الجفاف والتوحش.
وقد وضع القرآن الكريم هذا الأساس منذ اللحظة الأولى، حين قدّم الإنسان باعتباره خليفة في الأرض، لا صاحب فوضى، ولا كائنًا عبثيًا، فقال الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فالخلافة هنا ليست سلطة منفلتة، ولا تفويضًا بالهدم، بل أمانة أخلاقية، ومسؤولية حضارية، وانضباطًا يجعل الإنسان عنصر بناء داخل الدولة، لا عبئًا عليها، وشريكًا في إعمارها، لا خصمًا لمؤسساتها.
ومن هذا الفهم العميق، يتضح أن تبنّي الدولة لمنظومة القيم والأخلاق الإسلامية لا يعني تديين السياسة، ولا خلط المقدس بالإداري، بل يعني تحصين السياسة من الانحراف، وحماية السلطة من الفساد، وصيانة المؤسسات من التآكل، وتحصين المجتمع من الفوضى. وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم جوهر هذه الرسالة في قوله: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، لتصبح الأخلاق هنا مشروعًا حضاريًا شاملًا، لا شأنًا فرديًا معزولًا عن واقع الدولة والمجتمع.
فالصدق، والأمانة، والإتقان، واحترام القانون، وتعظيم مؤسسات الدولة، وحفظ المال العام، ليست فضائل شخصية فحسب، بل ركائز استقرار سياسي، ومفاتيح ازدهار اقتصادي، وخطوط دفاع أولى في منظومة الأمن القومي. فالدولة التي ينتشر فيها الصدق تقل فيها الحاجة إلى التعقيد الرقابي، والدولة التي تسود فيها الأمانة يزدهر اقتصادها بلا نزيف، والدولة التي يتحول فيها الإتقان إلى ثقافة عامة تحقق التنمية بأقل تكلفة وأعلى كفاءة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه». وحين يصبح الإتقان عبادة، والعمل رسالة، والوظيفة شراكة وطنية، تتحول عجلة الإنتاج إلى رافعة سيادية، ويتحوّل العامل إلى جندي بناء، ويغدو الاقتصاد الوطني أكثر صلابة، وأبعد عن التبعية والارتهان.
وحين يُصان المال العام بوصفه أمانة أخلاقية قبل أن يكون بندًا قانونيًا، تتغير معادلات الإنفاق، ويُغلق باب الهدر، وتتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
فالمال العام ليس مال حكومة مجردة، بل عصب الدولة، وحق المجتمع، ومستقبل الأجيال، والاعتداء عليه عدوان مباشر على قدرة الدولة على الاستمرار، وأحد أخطر أبواب الانهيار الصامت.
أما الرشوة والمحسوبية والفساد الإداري، فهي أخطر أسلحة هدم الدولة من الداخل، لأنها تقتل الكفاءة، وتقصي الشرفاء، وتضرب العدالة، وتفتح أبواب الشك في المؤسسات. ولهذا جاء التحريم النبوي قاطعًا: «لعن الله الراشي والمرتشي»، فاللعن هنا توصيف دقيق لخطر الفعل على كيان الدولة واستقرارها، لا مجرد وعيد أخروي.
وقد وعى علماء الأزهر الشريف هذه الحقيقة عبر العصور، فكانوا دائمًا في صف الدولة الوطنية الجامعة، يرون في استقرارها مصلحة شرعية، وفي انهيارها فتنة، وفي إصلاحها واجبًا. فأكد الإمام محمد الغزالي أن غياب القيم يُفرغ الدولة من مضمونها مهما امتلكت من أدوات، ورأى الشيخ محمد متولي الشعراوي أن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى بالعدل، وأن الدولة التي تحكم بالقيم تحكم القلوب قبل الأجساد.
أما علماء التصوف، فقد قدّموا بعدًا عميقًا للأمن القومي حين أكدوا أن تزكية النفس ليست انسحابًا من الواقع، بل تحصينًا للضمير الوطني، وأن القلب الذي يعرف الله لا يخون وطنه، ولا يبيع دولته، ولا يتآمر على مؤسساته، لأن الخيانة هنا ليست رأيًا، بل سقوط أخلاقي يهدد الأمن القومي من جذوره.
وقد لخّص القرآن هذه المعادلة الحاسمة بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
فالأمن هنا ثمرة طبيعية للإيمان المنضبط بالقيم، لا حالة طوارئ، والاستقرار نتيجة وعي، لا مجرد انتشار قوة.
إن الدولة المصرية، بتاريخها العميق، ومؤسساتها الراسخة، وقيادتها الواعية، حين تنحاز إلى منظومة القيم، فإنها تنحاز إلى ذاتها، وتحمي مشروعها الوطني، وتؤسس لاستقرار طويل المدى. وحين يلتف المواطن حول دولته، لا خوف على الوطن، ولا قلق على المستقبل.
وحين تتجسد منظومة القيم والأخلاق الإسلامية في دولة قوية عادلة، وقيادة سياسية واعية، ومؤسسات وطنية محترمة، يتحول الوطن إلى كيان حيٍّ نابض، تتناغم فيه الأخلاق مع السياسة، والأمن مع الرحمة، والاقتصاد مع العدل، في لحن وطني راسخ، هادئ، جميل، لا
يعرف النشاز ولا التردد
المردود الاقتصادي والأمني لمنظومة القيم والأخلاق


