الندم الأكبر… وضياع السنين وضياع العقل
بقلم / وليد وجدى
على مرّ السنين، تراكمت الحَسرة بين أجيال كاملة، وتوارثت عقولٌ أفكارًا متطرفة امتزجت بالطمع والجهل، فكانت النتيجة ضياع سنوات من العمر، وضياع عقول ظنّت أنها تسير في طريق الحق، بينما كانت تُساق إلى الهاوية.
منذ تأسيس جماعة الإخوان المحظورة على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية عام 1928، ظهرت في بدايتها كحركة دينية واجتماعية، رفعت شعارات العمل الخيري ومساعدة الفقراء والمحتاجين. ومع اتساع قاعدتها الشعبية، تحوّل المسار تدريجيًا من الدعوة والعمل الاجتماعي إلى التغلغل في السياسة، بأهداف تجاوزت ما كان يُعلن للناس، وبطموحات اصطدمت مع طبيعة الدولة الوطنية.
ظلّ حلم مؤسس الجماعة يلوح في الأفق عبر عهود رئاسية متعاقبة، معتمدًا على استمالة أبناء الوطن تحت لافتة “الدين” و”التعاطف مع الفقراء”، حتى جاءت لحظة الربيع العربي، لتتغيّر ملامح الخريطة العربية. سقطت دول، وتفككت مؤسسات، وغرقت شعوب في الفوضى؛ ليبيا، السودان، سوريا… وكادت تونس والأردن أن تلحقا بالمصير ذاته، لولا وعي الشعوب.
أما مصر، فكان لها نصيبها من المحنة، لكنها امتلكت من الحكمة والوعي ما أنقذها. سقط نظام، ولم تسقط دولة. عامٌ كامل من الارتباك الإداري وعدم الاستقرار، فتح الباب أمام وصول الإخوان إلى الحكم في لحظة بدا فيها المشهد مرتبكًا وغامضًا. سنة واحدة كانت كافية لتضع البلاد على حافة الانهيار، داخليًا وخارجيًا، وسط تهديدات يومية ومظاهرات متواصلة، وابتزاز باسم الدين.
وحين انكشف الوجه الآخر، تبيّن أن العباءة الدينية تخفي إرهابًا: خطف، وقتل، تفجيرات في الشوارع والمحافظات، ومحاولات ممنهجة لإضعاف الجيش والشرطة، في مصلحة من لا يريد لمصر أن تقف. فالدين الإسلامي بريء من تحليل الدماء وتحريم الأوطان، وبريء من فكر يُشعل الدول ثم يدّعي القداسة.
وفي قلب هذه المأساة، يقف “كبش الفداء”؛ ذاك المغلوب على أمره، الذي انساق خلف الشعارات، فوجد نفسه خلف القضبان، تاركًا زوجة بلا سند، وأمًا مكلومة، وأطفالًا رُضّعًا وصغارًا ضاع مستقبلهم بغياب الأب. أي عقلٍ هذا الذي يترك طفله في شهوره الأولى محرومًا من الحنان؟ وأي دينٍ يبرّر أن تُهدَم أسرة باسم وهمٍ سياسي؟
السؤال الآن: هل آن الأوان للعودة إلى الرشد؟
الأمل ما زال قائمًا في بسمة حياة جديدة، بعيدة عن الأفكار المتطرفة، قائمة على الوعي والانتماء الحقيقي. فمصر لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى عقول تبني، وقلوب تحب، وسواعد تعمل.
أنت ابن مصر… ومصر أولًا وأخيرًا.
الندم الأكبر… وضياع السنين وضياع العقل


