الوظائف التي اختفت منا… ليست مهنًا ..بل ارواحاً كانت تمشي على الأرض ثم أنطفأت
كتبت : نعمة حسن
الوظائف التي اختفت …ليست مهناً بل أرواحٌ كانت تمشي على الأرض ثم انطفأت.
في الزمن القديم كانت الوظيفة “هوية”
وكان الرجل حين يقول لك: أنا كذا
لا يقدّم لك مجرد تعريف
بل يقدّم لك سيرة
وتاريخًا
ومكانًا في الخريطة
زمان كانت المهنة اسم عيلة
وشرف بيت
وورقة تعريف محترمة في مجتمع يعرف معنى “العيش بالحلال”
اليوم… في وظائف راحت واختفت
ومعها اختفت طبقة كاملة من البشر
مش لأنهم ماتوا
بل لأن العالم سحب منهم مكانهم… بصمت
وفي لحظة واحدة تحوّلوا من “أصحاب صنعة”
إلى “ناس مش لاقية نفسها”
ومن “رجال لهم رزق ثابت”
إلى “أرقام على الهامش”
هنا تبدأ القصة…
قصة اختفاء المهن… وكيف اختفى معها جزء من إنسانيتنا
أولًا: عندما تختفي وظيفة… لا يختفي دخل فقط
بل يختفي معنى الحياة
الناس اللي عمرها كان مرتبط بمهنة
مش بتخسر شغل
بتخسر شكلها وسط الناس
بتخسر الجملة اللي كانت بتتقال عنها بفخر:
“ده راجل شقيان”
“ده ست شاطرة”
“ده صاحب صنعة”
والصنعة كانت زمان “وطن صغير”
الإنسان يدخلها صباحًا
ويخرج منها مساءً حاملًا:
رزقه
وكرامته
وصوته
وضهره المرفوع
لكن حين انقرضت المهن
حصلت كارثة هادئة:
بشر كثيرون أصبحوا موجودين جسديًا…
غائبين روحيًا
ثانيًا: وظائف انقرضت… وكان أصحابها أعمدة مجتمع
هذه ليست قائمة وظائف
هذه قائمة “شخصيات كانت بتعمل للحياة شكل”
١) السقّا
الرجل الذي كان يحمل الماء للبيوت
كانت مهنته رسالة حياة
ولما اختفى… اختفى معه معنى “الخدمة بلا منّ”
اختفى زمن كان فيه العطاء طبيعيًا
٢) الكناس البلدي القديم
اللي كان يعرف الشارع اسمًا اسمًا
ويعرف مين بيرمي ومين بينضف
كان حارس نظافة مش عامل نظافة
فلما اتبدل… اتبدل معه احترام الشارع
٣) بائع اللبن (اللبّان)
ده مش بائع
ده كان “صباح البيت”
صوت يخبط بدري يطمنك إن الحياة شغالة
اختفى يوم ما دخلت العبوات البلاستيك
وقفلنا الباب على “الدفء”
٤) بائع العرقسوس والتمر هندي
ده مش بائع عصير
ده طقس
ده ذاكرة رمضان في الشارع
ولما اختفى… اختفى معه منظر الزمن الجميل اللي كان بيخلي الشارع يبتسم
٥) “الفتّال” صانع الحبال
كان بيحوّل الليف لقوة
ويحوّل الخامة لفائدة
اختفت مهنته مع البلاستيك
لكن اختفى معها احترام المادة واليد والجهد
٦) الإسكافي (الترزي بتاع الأحذية)
كان يصلّح الجزمة كأنه بيصلّح خطوة في عمر إنسان
فلما اختفى
بقيت الأشياء تُرمى بدل أن تُصلح
وبقينا نرمي البشر كمان… بنفس المنطق
٧) الترزي
الترزي كان مهندس جسد
يفصّل لك على قدك
ويخليك “واقف كويس”
فلما انقرض
بقينا نلبس أي شيء
وبقينا نعيش أي حياة
حتى لو مش على مقاسنا
٨) السروجي
صانع الجلد اللي كان يعمل الشغل تحفة
كان فنّان مش عامل
فلما اختفى
اختفى معه معنى “الصنعة اللي تبقى للأبد”
٩) المكوجي
كان يسلّم القميص كأنه لابس هيبة
اختفى لما بقينا نجري
ونلبس بسرعة
ونعيش بسرعة
ونستهلك كل شيء بسرعة
١٠) الحلاق القديم
مش مجرد حلاق
كان مجلس
كان مساحة اعتراف
كان مكان الرجالة “تفك فيه الدنيا”
فلما اختفى
اختفت مساحة الكلام الحقيقي
وبقى كل واحد شايل نفسه لوحده
١١) العطار
العطار كان طبيب الروائح
وحارس وصفات الجدات
فلما اختفى…
الناس فقدت لغة العلاج البسيط
وبقت تشتري أقراص بلا روح
وأحيانًا بلا فهم
١٢) المنجّد
اللي كان يعمل المرتبة
ويعرف يطلع من القطن “راحة”
فلما انقرض
بقينا ننام على صناعات سريعة
وبقينا نصحى أكثر تعبًا
١٣) الفران البلدي
الفران كان جزء من الحارة
وعيشه كان له “ريحة حياة”
فلما قلّ
قلّ معه شيء اسمه “بيت له رائحة”
١٤) المبيض (تبييض النحاس)
ده كان بيعيد للعيلة أوانيها
يعني كان بيجدد الذاكرة
اختفى يوم ما اتبدل النحاس بالستانلس
واتبدلت “الدوام” بثقافة الرمي
١٥) الخطاط
وظيفة كانت تكتب الجمال
وتخلّد المعنى
فلما اختفت
صار الخط مجرد فونت
وصار الجمال مجرد زر
١٦) المصوّر الفوتوغرافي القديم
كان يصورك كأنك تاريخ
بوقار
بهيبة
بإحساس
اختفى يوم ما الصورة بقت لحظة استعراض مش لحظة توثيق
١٧) بائع الجرائد
كان ناقل المعرفة للشارع
فلما اختفى
اختفى معه صباح الناس الهادئ
وبقى الخبر ييجي في شكل صدمة
مش في شكل قراءة
١٨) كاتب الخطابات
الرجل الذي يكتب للناس كلامهم
يكتب شكواهم
يكتب حبهم
يكتب حقوقهم
اختفى يوم ما صار الكلام يُكتب بكسل في رسالة واتساب
وبقى الوجع بلا لغة
١٩) “الأراجوزاتي” والراوي الشعبي
ده كان إعلام زمان
يضحّك ويعلّم وينتقد
اختفى يوم ما بقينا نضحك في الفيديوهات… وننسى
٢٠) الحكواتي
صاحب الحكايات اللي كان يربي خيال الأطفال
اختفى يوم ما الطفل بقى يعيش على شاشة
خياله مستورد
وقلبه متعب
ثالثًا: المهن التي اختفت… دمّرت أصحابها نفسيًا قبل أن تدمر جيوبهم
في رجل كان يصحى كل يوم وهو عارف:
أنا ليّا لازمة
ولما اختفت الوظيفة…
صحى وهو مش عارف يحط وشه فين
وهنا تأتي أقسى نقطة:
في ناس ما انهزمتش لأنها فقرت
بل لأنها فقدت الإحساس إنها مفيدة
المهنة كانت:
قيمة
انتماء
احترام
وزن اجتماعي
تاريخ طويل في عين الناس
فلما الدنيا قالت له: “إنت مالكش مكان”
الإنسان اتكسر من الداخل
وبعض الناس لما اتكسرت…
ما اتكسرتش بصوت
اتكسرت بصمت
وبقت تضحك وهي موجوعة
وتتكلم وهي منطفية
رابعًا: لماذا انقرضت هذه المهن؟
لأن العالم تغيّر؟
لا…
العالم دائمًا يتغير
لكن اللي قتل المهن شيء أخطر:
١) الاستهلاك بدل الإصلاح
بقينا نرمي بدل ما نصلّح
فماتت كل مهنة “تصلح وتجدّد”
٢) السرعة بدل الجودة
بقينا نحب السريع
حتى لو رخيص
حتى لو بلا روح
٣) تحقير الصنعة
بقينا نعتبر صاحب الصنعة “أقل”
ونسينا إن الحضارات لا تُبنى بالشهادات وحدها
بل بالأيدي الماهرة
٤) التكنولوجيا بلا رحمة
دخلت التكنولوجيا
ومشيت فوق بعض الوظائف
زي دبابة
من غير ما تدي أصحابها فرصة يتعلموا أو يتحولوا
٥) فقدان احترام العمل اليدوي
أخطر شيء حصل
إن المجتمع لم يعد يصفق للمهارة
بل للمنصب
للمظهر
للصورة
خامسًا: الكارثة الأكبر… أننا خسرنا “الناس” لا “الوظائف”
الوظائف اختفت
فخسرنا معها:
الخبرة
الصبر
الذوق
الأمان
روح السوق
دفء الحارة
خسرنا لغة كاملة كانت بتشتغل في صمت
لغة الشغل الحلال
لغة التعب المحترم
لغة العرق اللي كان بيجيب بركة
وبقينا في عصر غريب
ناس كثير عاطلين
ونسخ كثيرة متشابهة
وشوارع بلا حكايات
والاكيد : المهن حين تموت… تموت معها طبقة من البشر لا يعودون كما كانوا
اسمعني جيدًا
إنت مش بتتكلم عن “ترزي” اختفى
إنت بتتكلم عن رجل كان عنده “معنى”
مش بتتكلم عن “إسكافي” قفل
إنت بتتكلم عن كرامة كانت بتقف على باب بيت
مش بتتكلم عن “عطار” قلّ
إنت بتتكلم عن تاريخ علاج
وتاريخ فطرة
وتاريخ رحمة
هذه ليست وظائف فقط
هذه حضارة صغيرة كانت تمشي في الشوارع
ثم اختفت
والمؤلم؟
أننا لم نلاحظ إلا بعد فوات الأوان
وإذا كان في كلمة أخيرة لازم تتقال
فهي ليست سؤالًا
بل حكمًا واضحًا:
حين تموت الصنعة
يولد مجتمعٌ بلا روح
تموت فينا اشياء جميلة
بنوقف العقل والتفكير لأننا اعتمدنا على الآلات.
مع تحياتي ..
الوظائف التي اختفت منا… ليست مهنًا ..بل ارواحاً كانت تمشي على الأرض ثم أنطفأت
بقلم: نعمة حسن


