بعد الحرب: صرّافات محدودة واقتطاعات مرتفعة تُنهك رواتب الغزيين
عبده الشربيني حمام
على الرغم من مرور أكثر من شهر على انتهاء الحرب في قطاع غزة وبدء الحديث عن ترتيبات ميدانية وإنسانية جديدة لتطبيق خطة ترامب للسلام المستدام، فإنّ الأزمة المالية التي أثقلت كاهل الغزيين طوال الأشهر الماضية ما زالت مستمرة.
وحتى بعد توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة التي استمرت أكثر من سنتين، يجد آلاف الموظفين والمتقاعدين الفلسطينيين أنفسهم أمام واقع اقتصادي لم يتغيّر كثيراً: شحّ شديد في السيولة، صرّافات محدودة، وعمولات مرتفعة تلتهم جزءاً كبيراً من الرواتب.
ورغم دخول مرحلة “ما بعد الحرب” حيّز التنفيذ، تشير شهادات محلية إلى أن الممارسات التي انتشرت خلال فترة الحرب — سواء عبر الوسطاء أو عبر الأطراف المسيطرة على الأرض — لا تزال مستمرة. ويقول موظفون فلسطينيون في القطاع إنهم ما زالوا يضطرون لدفع عمولات تتراوح بين 30% و40% للحصول على رواتبهم نقداً، سواء للوسطاء أو لبعض المسلحين، الأمر الذي يُبقي الأزمة المالية حيّة رغم تغيّر المشهد الأمني.
الشارع يتحدث عن اقتطاعات عند الصرّافات
تداول سكان في غزة على مواقع التواصل الاجتماعي روايات جديدة تفيد بأن عناصر محسوبين على حركة حماس ما زالوا يقفون قرب بعض أجهزة الصرّاف الآلي النادرة التي عادت للعمل جزئياً، ويقومون بفرض اقتطاعات من الرواتب مقابل السماح بإتمام عملية السحب. ويؤكد هؤلاء أن وقف الحرب لم ينهِ هذه الظاهرة، وأنّ الحاجة الشديدة للنقد تجعل كثيرين مضطرين لقبول هذه الاقتطاعات.
ويشعر الغزيون بحالة من العجز والضّعف أمام عجز المجتمع الدولي عن تسريع مراحل إعادة إعمار القطاع، إضافة إلى سياسات حماس التي — بحسب السكان — تفاقم الوضع الإنساني المأزوم.
ولم تصدر الحركة أي موقف رسمي بشأن هذه الاتهامات، لكنّ مصادر اقتصادية داخل القطاع تشير إلى أنّ حماس تواجه تحديات مالية كبيرة بعد الحرب، في ظل تعطّل شبكات التمويل التقليدية، ما قد يدفعها إلى ممارسات غير رسمية بحثاً عن مصادر دخل بديلة.
الهدوء النسبي لم يُنقذ النظام المصرفي
ورغم الحديث عن خطط لفتح بعض المعابر وتسهيل دخول المساعدات، فإنّ النظام المصرفي لم يستعد عمله بعد، وبقيت غالبية البنوك خارج الخدمة. كما لم تُضخ كميات كافية من العملة النقدية، ما جعل أزمة السيولة مستمرة حتى بعد توقف الحرب.
وتشير مصادر مصرفية إلى أن إعادة تشغيل البنية المالية تتطلب وقتاً وجهداً وتنسيقاً واسعاً، بينما تبقى حياة الناس اليومية معلّقة بقدرتهم على الحصول على النقود، سواء عبر الوسطاء أو عبر الصرّافات العاملة بشكل محدود.
أسعار مرتفعة… ورواتب تتآكل
ومع انتهاء الحرب، لم تنخفض أسعار المواد الأساسية بسبب انقطاع سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب توقف الإنتاج المحلي. هذا الواقع جعل رواتب الموظفين أقل قدرة على تغطية الاحتياجات، خصوصاً مع اقتطاع جزء كبير منها عبر العمولات.
ويقول محللون اقتصاديون إن استمرار الاعتماد على الوسطاء واقتطاعات الأطراف المسيطرة سيحوّل الأزمة المالية إلى جزء ثابت من مرحلة ما بعد الحرب، ما لم يُعاد تشغيل النظام المصرفي وإدخال سيولة جديدة إلى السوق.
مرحلة إعادة الإعمار… وقلق الاقتصاد اليومي
في الوقت الذي تتوجّه فيه الأنظار إلى خطط إعادة الإعمار والمسارات السياسية المقبلة، يعبّر سكان غزة عن قلق من بقاء الأزمة المالية بلا حلّ، خصوصاً أنّ قدرتهم على الصمود تتراجع مع كل يوم تتأخر فيه عودة البنوك وضخّ السيولة.
وبينما ينتظر السكان تغيّراً ملموساً بعد وقف الحرب، تبقى معركتهم الأساسية اليوم هي استعادة قيمة رواتبهم، وإنهاء ظاهرة العمولات والاقتطاعات التي استنزفت دخولهم طوال الأشهر الماضية، وتحوّلت إلى واحدة من أخطر تداعيات الحرب على حياتهم الاقتصادية.

