الرئيسيةمقالاتبعد مقتل يحيى وزكريا عليهما السلام كيف دخلت فلسطين زمن المطاردة الكبرى؟
مقالات

بعد مقتل يحيى وزكريا عليهما السلام كيف دخلت فلسطين زمن المطاردة الكبرى؟

بعد مقتل يحيى وزكريا عليهما السلام كيف دخلت فلسطين زمن المطاردة الكبرى؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين تتحول الأرض التي مشت فوقها أقدام الأنبياء،إلى ساحة يُراق فيها دمهم،فاعلم أن التاريخ لا يقترب من أزمة عابرة ،بل من لحظة سقوط أخلاقي تهز أمة كاملة.

ففلسطين القديمة لم تكن مجرد مدينة تحت الاحتلال الروماني، بل كانت أرضًا مزدحمة بالمعابد والكهنة والانتظار والخوف.

الناس ينتظرون الخلاص ،والسلطة تخشى أي صوت يوقظ الضمير ،

بينما كانت الرسالات السماوية تحاول إنقاذ ما تبقى من الإنسان قبل أن يبتلعه النفوذ بالكامل.

وفي تلك اللحظة المضطربة،

لم يكن أخطر ما حدث هو مقتل نبي ،

بل أن المجتمع نفسه بدأ يعتاد رؤية الأنبياء مطاردين.

يحيى قُتل لأن الحقيقة أحرجت السلطة،

وزكريا تحوّل في الروايات إلى شيخ يهرب بحياته داخل أرض نزل فيها الوحي يومًا.

أما عيسى،فكان يرى المشهد ينهار أمامه ببطء،الكلمة أصبحت جريمة،

والصدق صار تهديدًا .

والدين بدأ يتحول عند بعضهم من رسالة تهدي الناس إلى مؤسسة تخاف على نفوذها أكثر من خوفها على الحقيقة نفسها.

ومن هنا بدأت فلسطين تدخل أخطر مراحلها على الإطلاق .

المرحلة التي لم يعد الصراع فيها بين شعب واحتلال فقط،

بل بين الرسالة والسلطة،

بين الضمير والخوف،

بين أنبياء جاءوا لينقذوا الإنسان

ومنظومات رأت أن بقاءها أهم من بقاء الحقيقة نفسها.

يحيى عليه السلام ،حين أصبح الصدق جريمة

لم يكن مقتل يحيى حادثة عابرة في تاريخ بني إسرائيل،

بل كان علامة على أن المجتمع دخل مرحلة خطيرة أصبح فيها قول الحقيقة ثمنه الدم.

فالقرآن الكريم وصف يحيى عليه السلام بالطهر والتقوى.

﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾

﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾

كان نبيًا لا يجامل الفساد،

ولا يقبل أن يتحول الدين إلى أداة تخدم الشهوات والنفوذ السياسي.

وتذكر الروايات الإسلامية والتاريخية أنه وقف ضد انحراف الطبقة الحاكمة،

ورفض تبرير ما يخالف شرع الله،

ولهذا أصبح وجوده خطرًا على أصحاب السلطة.لأن الأنظمة التي تختلط فيها السياسة بالمقدس.

تخاف دائمًا من الإنسان الذي يذكّر الناس بالحقيقة دون خوف أو مصلحة.

وهكذا انتهت المواجهة بقتله ظلمًا،

في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الرسالات داخل فلسطين القديمة.

زكريا عليه السلام حين طورد الشيخ الصالح.

أما زكريا،

فقد كان يمثل آخر الأصوات الهادئة التي تحاول حماية بقايا النور وسط عالم يقترب من الانهيار.

القرآن الكريم لم يذكر تفاصيل وفاته صراحة،لكنه أشار بوضوح إلى أن بني إسرائيل وصلوا إلى مرحلة قتل الأنبياء بغير حق .

﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

وقد نقل ابن كثير في البداية والنهاية،

وكذلك الطبري في تاريخ الرسل والملوك،

روايات تاريخية مشهورة تفيد بأن زكريا عليه السلام تعرض للملاحقة والقتل.ومن أشهر الروايات:

أنه هرب من قومه،فانشقت له شجرة ليختبئ داخلها،ثم دلّهم الشيطان على مكانه،فنُشر بالمنشار وهو بداخلها.

ورغم أن هذه التفاصيل ليست نصوصًا قرآنية ولا أحاديث صحيحة ثابتة،

فإنها بقيت حاضرة في كتب التراث الإسلامي باعتبارها صورة لحجم الاضطهاد الذي تعرض له الأنبياء في تلك المرحلة.وكأن الأرض المقدسة لم تعد تطارد المفسدين .

بل أصبحت تطارد أصحاب الرسالة أنفسهم.

ماذا كان تأثير ذلك على المسيح عليه السلام؟

كان عيسى يرى المشهد كاملًا أمامه،

نبي قُتل لأنه قال كلمة حق

وشيخ صالح تُطارده السلطة

وأحبار يخشون فقدان نفوذهم

وسلطة رومانية تراقب أي تحرك قد يهز الاستقرار،وجماهير تعيش بين الخوف والانتظار.

ولهذا لم تعد دعوة المسيح عليه السلام مجرد دعوة روحية هادئة،

بل أصبحت مواجهة حقيقية مع منظومة كاملة تخاف من أي إصلاح يعيد الناس إلى الحقيقة.

فالرسالة التي جاء بها لم تهدد العرش بالسيف . بل هددت النفوذ بإيقاظ الضمير.وهذا أخطر ما تخشاه السلطات دائمًا.

ماذا قال القرآن الكريم عن تلك المرحلة؟

القرآن الكريم لم يذكر كل التفاصيل التاريخية،لكنه رسم الصورة العامة بوضوح شديد.

فقد أشار إلى أن بني إسرائيل عبر مراحل مختلفة واجهوا الأنبياء بالتكذيب والقتل حين اصطدمت الرسالات بأهوائهم ومصالحهم.

﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ۖ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

وكأن القرآن لا يحكي قصة قوم مضوا فقط،بل يكشف قانونًا يتكرر في التاريخ .

أن السلطة حين تخاف على نفوذها

قد تتحول من حماية الحقيقة إلى مطاردة من يذكّرون بها.

ماذا قال عبد الوهاب المسيري؟

يرى المفكر عبد الوهاب المسيري أن المجتمع اليهودي في تلك المرحلة كان يعيش أزمة هوية عميقة تحت الهيمنة الرومانية.

فكثير من الجماعات كانت تنتظر المخلّص الذي يعيد المُلك والسيادة السياسية،

بينما جاءت دعوات الأنبياء خصوصًا يحيى والمسيح عليهما السلام

لإعادة بناء الإنسان نفسه،

ومواجهة النفاق الديني واستغلال المقدس لخدمة النفوذ.

ويشير المسيري إلى أن أخطر ما يحدث للمجتمعات،أن يتحول الدين من رسالة أخلاقية وروحية،إلى مؤسسة تخشى فقدان سلطتها أكثر من خوفها على الحقيقة.

ولهذا أصبح الأنبياء في نظر بعض النخب تهديدًا للنظام القائم،

لا لأنهم حملوا السلاح،بل لأنهم أعادوا تعريف معنى العدل والحق والرسالة.

فلسطين قبل العاصفة الكبرى

بعد مقتل يحيى عليه السلام،

وما ارتبط من روايات بمقتل زكريا عليه السلام،

دخلت فلسطين مرحلة شديدة التوتر.

الخوف انتشر بين الناس،والسلطة أصبحت أكثر قسوة،والأحبار ازدادوا عداءً لأي دعوة تهدد نفوذهم،

بينما كانت دعوة المسيح عليه السلام تزداد انتشارًا بين البسطاء والمظلومين.

وكأن التاريخ كان يقترب من لحظة الانفجار الكبرى،اللحظة التي سيصبح فيها المسيح عليه السلام نفسه هدفًا للمطاردة والمؤامرة.

لم يكن مقتل يحيى عليه السلام،

ولا الروايات المرتبطة بمقتل زكريا عليه السلام،مجرد أحداث حزينة في تاريخ الأنبياء،بل كانت اللحظة التي انكشف فيها الوجه الحقيقي لأزمة الإنسان حين يخلط بين الدين والنفوذ والخوف.

فالأنبياء لم يهددوا الناس بالسلاح،

بل هددوا أوهام السلطة حين أعادوا تعريف الحقيقة والعدل والرحمة.

ولهذا خافت منهم الأنظمة والكهنة أكثر مما خافت من الثورات والجيوش.

وكأن التاريخ كان يعلن منذ ذلك الزمن حقيقة مرعبة،أن المجتمعات لا تبدأ بالسقوط حين يضعف اقتصادها أو جيشها فقط،بل حين يصبح قتل أصحاب الرسالة أسهل من مواجهة الفساد نفسه.

ومن هنا،

لم تكن فلسطين القديمة تقترب من أزمة عابرة،بل كانت تدخل أخطر مواجهة في تاريخها،

المواجهة التي ستصل ذروتها مع المسيح عليه السلام،

حين يدخل الصراع بين الحقيقة والسلطة مرحلته الأخيرة.

في المقال القادم ما هو أخط

انتظرونا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *