بين التطرف والانحلال.. كيف يُهدم المجتمع
بقلم: محمد عزوز
العالم بطبيعته قائم على الاختلاف، وتلك سنة الحياة. لكن مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المجال مفتوحًا أمام الجميع لعرض أفكارهم، سواء كانت معتدلة أو متطرفة أو شاذة.وبين السُّني والشيعي، والسلفي والإخواني، والعلماني والملحد، والرأسمالي والاشتراكي، وحتى دعاة الانحلال الأخلاقي، أصبح لكل تيار قادة ومنصات وأتباع بالملايين.
بعض هؤلاء القادة مدفوعون بمصالح سياسية أو مادية، والبعض الآخر يعتقد بالفعل أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، فيُروّج لأفكاره بكل قوة، مستغلًا العاطفة والدين والفقر والجهل أحيانًا، أو الحرية والانفتاح أحيانًا أخرى. وفي النهاية، يتحول المواطن البسيط إلى أداة تُستخدم لخدمة مشاريع وأهداف لا يدرك أبعادها كاملة.
جماعات الإسلام السياسي رفعت شعارات دينية لسنوات طويلة، بينما كانت قياداتها تتحرك وفق حسابات سياسية وتحالفات دولية معقدة. رأينا كيف تحولت بعض التنظيمات من معارضة الأنظمة إلى البحث عن السلطة بأي وسيلة، وكيف دخلت دول كبرى على خط دعم هذه الجماعات أو محاربتها وفقًا لمصالحها، وليس حبًا في الديمقراطية أو الدين.
وفي المقابل، ظهرت تيارات متطرفة على الجانب الآخر ترفع شعار الحرية المطلقة، لكنها أحيانًا تتحول إلى عداء لكل ما هو ديني أو محافظ. يتحدثون عن الحرية، لكنهم يهاجمون أي شخص يتمسك بهويته أو قيمه أو معتقداته. فأين حرية الرأي إذا كان المختلف يُسخر منه أو يُقصى؟
المشكلة أن كل تيار يسعى لجذبك إلى معسكره، ويُصور لك أن من يخالفه عدو للحقيقة أو خطر على المجتمع.مرة تجد معارك إلكترونية لا تنتهي حول الحجاب، أو الإلحاد، أو المحتوى الهابط، أو قضايا الهوية، أو حتى أحداث الترند اليومية التي يتم تضخيمها لتقسيم الناس وإشعال الصراعات بينهم.
ومع هيمنة السوشيال ميديا، أصبح “الترند” وسيلة لتدمير القيم عند البعض. هناك من يفعل أي شيء من أجل المشاهدات والمال والشهرة، حتى لو كان على حساب كرامته أو أسرته أو أخلاق المجتمع. والأخطر أن ملايين المتابعين يتحولون تدريجيًا إلى مقلدين ومدافعين عن هذا الانحدار دون وعي.
وفي المقابل، تستغل جماعات التشدد نفس هذه الفوضى لتخويف الناس ودفعهم نحو مزيد من الغلو والتكفير والكراهية، وكأن المجتمع يجب أن يختار بين التطرف الديني أو الانحلال الأخلاقي، بينما الحقيقة أن كلا الطرفين يهدد استقرار المجتمع وهويته.
الإنترنت اليوم أصبح سلاحًا ضخمًا؛ يمكنه نشر العلم والوعي، كما يمكنه نشر الكراهية والتطرف والشائعات والانحلال بكل سهولة.ومع كثرة الضجيج، ضاعت الوسطية والاعتدال، وأصبح كثير من الناس منحازين إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بينما يتم تهميش الصوت العاقل المتزن.
الدين الحقيقي يدعو إلى الرحمة والتسامح، والمجتمع المصري بطبيعته مجتمع وسطي معتدل، لا يقبل الغلو ولا الفوضى الأخلاقية. لكن هناك من لا يريد لهذا التوازن أن يستمر، لأن المجتمعات المنقسمة يسهل السيطرة عليها وتوجيهها.
لا تتلقَّ أفكارك بشكل أعمى، ولا تنحز لأي تيار فقط لأنه يرفع شعار الدين أو الحرية أو الوطنية.ابحث، واقرأ، وقارن، وفكّر بعقلك، فالله منحك عقلًا لتُميز به بين الحق والباطل، وبين الاعتدال والتطرف.
الخلاصة:نحن نعيش صراعًا فكريًا حادًا بين تطرفين، والنجاة الحقيقية ليست في الانحياز لهذا أو ذاك، بل في التمسك بالوسطية والوعي والعقل.يمكنك أن تحافظ على دينك ووطنك، وأن تكون منفتحًا ومتحضرًا دون انحلال، ومؤمنًا دون تكفير أو كراهية.
بين التطرف والانحلال.. كيف يُهدم المجتمع


