بقلم: المعز غني
منذ أكثر من عقد كامل تعيش تونس على وقع تحديات بنيوية ومتشابكة لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي وحده بل امتدت لتشمل الواقع الاجتماعي والسياسي والإداري حتى أصبحت الأزمة تبدو مركبة ومعقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة ورغم ما تمتلكه البلاد من موقع جغرافي استراتيجي فريد ورصيد حضاري عريق وكفاءات بشرية مشهود لها بالتميز داخل الوطن وخارجه فإن تحقيق التنمية المنشودة ما يزال يواجه عقبات كبيرة وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول جذور الأزمة الحقيقية ومدى توفر فرص الإصلاح القائمة في الوقت الراهن لقد أثبتت السنوات الماضية أن اختزال المشهد التونسي في أرقام النمو أو نسب البطالة الجافة لا يكفي لفهم الواقع المعقد فالأزمة في نظر المراقبين ليست اقتصادية فقط وإنما هي أزمة حوكمة ورؤية وثقة وقدرة على تحويل الإمكانات الوفيرة إلى إنجازات ملموسة على الأرض حيث يواجه الاقتصاد التونسي تحديات حادة تتعلق بضعف الاستثمار وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع المديونية وتذبذب قيمة الدينار إلى جانب صعوبات خانقة تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج كما أن الاعتماد الكبير على قطاعات تقليدية محددة يجعل الاقتصاد أكثر حساسية وهشاشة أمام الأزمات الخارجية الصادمة وعلى المستوى الاجتماعي انعكست هذه الصعوبات الهيكلية على حياة المواطن التونسي اليومية حيث تتصاعد المطالب بتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل الحقيقية وتحقيق تنمية متوازنة وعادلة بين الجهات بما يضمن الكرامة والعدالة وتكافؤ فرص العيش الكريم وفي الجانب السياسي شهدت تونس منذ عام 2011 تحولات عميقة وتجارب دستورية ومؤسساتية متعددة رافقتها فترات من عدم الاستقرار مما أثر سلباً في نسق الإصلاحات وفي قدرة الدولة على تنفيذ سياسات طويلة المدى تحظى بالاستمرارية بالتوازي مع بطء الإجراءات الإدارية وتعقيد مسالك الاستثمار والحاجة الملحة إلى مزيد الشفافية والنجاعة بمؤسسات الدولة إن الطريق نحو الحل لا يحتمل وصفات جاهزة بل يتطلب مجموعة من الأولويات التي تشكل أساساً لمسار إصلاحي مستدام تبدأ بدعم الاقتصاد المنتج من خلال تشجيع الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية وتحفيز المبادرة الخاصة والرهان على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية والاقتصاد الرقمي والابتكار بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب الطموح ومواصلة إصلاح الإدارة وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة وتطوير الخدمات العمومية وترسيخ الشفافية القانونية لتوفير بيئة مستقرة تعزز الثقة بين الدولة والمواطن والمستثمر فضلاً عن الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية لتونس عبر تطوير منظومة التعليم والتكوين المهني وربطها بسوق الشغل ولا يمكن الحديث عن مستقبل تونس دون الإشادة بما يقدمه أبناؤها من جهود يومية مخلصة من معلمين وأطباء ومهندسين وعمال وفلاحين وأمنيين وعسكريين ورجال أعمال وشباب طموح إضافة إلى الجالية التونسية بالخارج التي تظل سنداً وطنياً مهما للاقتصاد وصورة البلاد في العالم إن تونس تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على استعادة ديناميكيتها إذا توفرت الإرادة الصادقة وتعزز الحوار وتكاملت الجهود بين مختلف الفاعلين بعيداً عن التجاذبات التي تستنزف الوقت والطاقات ليبقى التحدي الأكبر ليس فقط معالجة المؤشرات الاقتصادية بل بناء رؤية وطنية واعدة تمنح الأمل للأجيال القادمة وتؤهل تونس لكتابة فصل جديد من النجاح عندما تتحول الأفكار إلى برامج عمل حقيقية يشارك فيها الجميع
إعداد وصياغة ومراجعة صحفية شاملة محمد سعيد الحداد تدقيق ومتابعة لغوية عهود حسن البيومي صادر عن غرفة الديسك المركزي لجريدة موطني الإخبارية

