حين تتحول الدراما إلى مصنع للانحلال
كتب ضاحى عمار
لم تعد الأزمة مجرد مشاهد عابرة أو ألفاظ خارجة تندس بين سطور الحكايات، بل صارت نهجًا متكاملًا يُعاد إنتاجه موسمًا بعد آخر، حتى غدت الفوضى سلوكًا معروضًا، والبلطجة بطولة، والانفلات رجولة، وكأن المجتمع لا ينجب إلا هذه النماذج ولا يفرز إلا تلك الصور القاتمة. منذ سنوات ونحن نتابع تصاعد موجة درامية ترفع راية الصخب على حساب القيمة، وتقدم الشخصيات المنحرفة باعتبارها أبطالًا شعبيين يُصفق لهم الجمهور، ويقلدهم الشباب في الملبس واللغة وطريقة السير ونبرة الحديث. أسماء مثل المنتج أحمد السبكي، والمخرج محمد سامي، والممثلين محمد رمضان وعمرو سعد وغيرهم، باتت مرتبطة بنمط درامي واحد يكرر ذاته ويستنسخ ملامحه، حتى أصبح المشاهد قادرًا على توقع الألفاظ قبل أن تُقال، والمشاجرات قبل أن تبدأ، والنهايات قبل أن تُكتب.
المشكلة ليست في تناول واقع صعب أو عرض مناطق مهمشة، فالفن الحقيقي لا يخشى الاقتراب من الجراح، لكنه يعالجها لا يتاجر بها، ويضيء العتمة لا يتخذها مسرحًا دائمًا للعرض. غير أن ما نشهده هو استدعاء متكرر لنماذج من قاع المدينة تُقدَّم باعتبارها الصورة الغالبة، ويُعاد تلميعها دراميًا حتى تتحول إلى قدوة زائفة. هنا يصبح السؤال ملحًا: ماذا استفدنا من هذا الطرح؟ وأي قيمة أُضيفت إلى وعي الشباب أو سلوكهم؟ الواقع يؤكد أن التأثير أعمق مما يظنه البعض، فالمراهق الذي يشاهد بطله المفضل يفرض سطوته بالعنف ويحصد الإعجاب بالتمرد ويحقق الثراء السريع خارج إطار القانون، يتشرب هذه الرسائل ولو دون وعي مباشر، ومع التكرار تتحول الصورة إلى نموذج ذهني، والنموذج إلى سلوك محتمل، وهكذا تتآكل الحدود الفاصلة بين الدراما والحياة ويصبح التقليد رد فعل طبيعيًا أمام بريق مصطنع يُسوَّق باعتباره نجاحًا.
الأخطر أن هذا المسار الدرامي أسهم في إعادة ترتيب سلم الرموز داخل المجتمع، فتراجع حضور العالم والمخترع وصاحب الرسالة، وتقدمت صورة النجم المثير للجدل صاحب العبارات الصادمة والحركات المستفزة، وصار الاحتفاء منصبًا على من يثير الضجيج لا من يصنع الإنجاز، وعلى من يتصدر المشهد لا من يبني المختبر أو يؤلف كتابًا أو يقدم اختراعًا يخدم الناس. في هذا المناخ يُختزل النجاح في شهرة عابرة، وتُهمش القيم التي تحتاج إلى صبر وعمل دؤوب. ثم يأتي التبرير الجاهز بأن هذه النماذج حقيقية وموجودة في الشارع، نعم قد تكون موجودة، لكن الفن ليس مرآة صماء تعكس كل ما تراه دون انتقاء أو معالجة، الفن مسؤولية، واختيار زاوية الرؤية فعل أخلاقي قبل أن يكون قرارًا تجاريًا، وحين يُصر صناع الدراما على إبراز الأسوأ وحده فهم لا ينقلون الواقع بقدر ما يعيدون تشكيله وتكريسه ويمنحونه شرعية رمزية عبر الشاشة.
إن المواجهة لم تعد ترفًا فكريًا بل ضرورة تفرضها خطورة اللحظة، فلا يكفي أن نرصد الخلل ونندد به، بل يجب أن تتبعه خطوات حاسمة تعيد الانضباط إلى المشهد الدرامي وتضع حدودًا فاصلة بين حرية الإبداع والفوضى المتعمدة. انتقاء المحتوى واجب وطني وأخلاقي، والمطلوب آليات واضحة تُلزم القنوات التي تبث عبر الشاشات المصرية والعربية، خاصة تلك العاملة على نايل سات، باحترام معايير صارمة للمحتوى ترفض الترويج للبلطجة أو تسويق الانحلال أو تمرير الإيحاءات الإباحية تحت أي مسمى درامي، فحرية الفن لا تعني أن يتحول إلى منصة مفتوحة لتطبيع القبح أو إعادة إنتاجه. كما أن المسؤولية لا تقع على الشاشات وحدها بل تمتد إلى صناع العمل أنفسهم، بحيث توضع أطر تنظيمية تضبط الأداء العام للفنانين وصناع الدراما فلا يتحول بعضهم إلى مصدر دائم لتصدير أسوأ ما في المجتمع داخليًا وخارجيًا، فالصورة التي تُعرض لا تبقى حبيسة الاستوديو بل تُشكّل انطباعًا عن مجتمع بأكمله بثقافته وقيمه وأخلاقه.
القوانين الرادعة هنا ليست قيدًا على الإبداع بل حماية له من الانحدار، فكما توجد تشريعات تحمي الأمن القومي والاقتصاد يجب أن توجد منظومة واضحة تحمي الأمن القيمي والأخلاقي، تشريعات تُغلق الباب أمام المتاجرة بالإثارة الرخيصة وتفرض عقوبات حقيقية على كل محتوى يتعمد كسر الثوابت أو تعميم السلوكيات المنحرفة بوصفها النموذج السائد. إن بناء الوعي لا يتم بالصراخ بل بالفعل المنظم، وإذا كانت الدراما قد أسهمت في تشكيل أنماط سلبية فإنها قادرة أيضًا على أن تكون جزءًا من الحل متى توفرت الإرادة والرقابة الرشيدة والضمير المهني، فالمجتمع الذي يريد حماية أبنائه لا يكتفي بالمشاهدة بل يضع القواعد ويصون القيم ويمنح المنابر لمن يستحقونها، وهكذا فقط تستعيد الشاشة دورها الحقيقي منبرًا للتنوير لا ساحة للانفلات ونافذة أمل لا مرآة تعكس أسوأ ما في الواقع وتكرسه.
حين تتحول الدراما إلى مصنع للانحلال


