حين تُفتح صناديق النار في الشرق الأوسط
كتب ضاحى عمار
لم يعد المشهد الإقليمي يحتمل قراءات سطحية أو تفسيرات تقليدية، فالأحداث المتسارعة حول إيران تكشف أن المنطقة تقف على حافة مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا مما عرفته خلال العقود الماضية. فالتوتر الذي بدأ بضربات عسكرية وتصعيد متبادل لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحول إلى صراع تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع ملفات تاريخية مؤجلة، وعلى رأسها الورقة الكردية التي تعود للظهور كلما اقتربت المنطقة من نقطة الانفجار.
التحركات الأخيرة على الحدود الغربية لإيران أعادت فتح ملف قديم ظل حاضرًا في خلفية الصراعات الإقليمية لعقود طويلة. فالمناطق الحدودية الممتدة بين إيران والعراق ليست مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل مساحة حساسة تختلط فيها الانتماءات القومية مع التوازنات الأمنية المعقدة. ومن هنا تبدو أي شرارة في هذه المنطقة قادرة على إشعال تفاعلات تتجاوز حدودها المباشرة.
التاريخ القريب يوضح أن الورقة الكردية لطالما كانت جزءًا من معادلات النفوذ في الشرق الأوسط. فمنذ ستينيات القرن الماضي تحولت القضية الكردية إلى نقطة جذب لتدخلات خارجية متعددة، حيث سعت قوى دولية وإقليمية إلى توظيفها في صراعات النفوذ الكبرى. هذا الواقع جعل القضية الكردية تتحرك غالبًا بين طموحات قومية مشروعة من جهة، وبين حسابات استراتيجية تستخدمها أطراف مختلفة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية من جهة أخرى.
وفي ظل التصعيد الحالي، يبدو أن هذا الملف عاد ليطرح نفسه بقوة، ليس فقط باعتباره قضية داخلية في دول المنطقة، بل كعامل يمكن أن يعيد رسم توازنات إقليمية كاملة. فإيران تنظر إلى أي تحرك مسلح قرب حدودها الغربية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يفسر ردود الفعل السريعة التي تهدف إلى منع تحول تلك المناطق إلى منصات ضغط أو استنزاف طويل الأمد.
لكن ما يثير القلق الحقيقي ليس مجرد تبادل الضربات أو العمليات العسكرية المحدودة، بل احتمال اتساع نطاق الصراع ليشمل أطرافًا أخرى في الإقليم. فالجغرافيا السياسية للمنطقة تجعل أي توتر على الحدود الإيرانية ـ العراقية قابلًا للامتداد نحو ملفات أكثر حساسية، سواء في الخليج العربي أو في الساحة التركية أو حتى في الممرات البحرية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
من هنا تبرز مخاوف متزايدة من أن يتحول التصعيد إلى سلسلة أزمات مترابطة، حيث قد يؤدي احتكاك محدود إلى ردود فعل متتالية يصعب التحكم في مسارها. فالمنطقة التي تعيش أصلًا حالة من التشابك الأمني والسياسي لا تحتاج إلى كثير من الشرارات كي تدخل في دوامة صراعات أوسع.
كما أن التوازنات الإقليمية تجعل من الصعب تصور بقاء أي صراع داخل حدود دولة واحدة. فتركيا تتابع تطورات الملف الكردي بحساسية شديدة، نظراً لما يحمله من انعكاسات مباشرة على أمنها القومي. ودول الخليج تنظر بدورها بقلق إلى أي تصعيد قد يهدد استقرار الممرات البحرية أو يفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار في الإقليم.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة. فالحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد الصواريخ، بل بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة الصراع دون أن يتحول إلى فوضى شاملة يصعب احتواؤها.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الضربات العسكرية ذاتها، بل احتمال أن تتحول الحسابات التكتيكية إلى مسار استراتيجي طويل يقود المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب التي تبدأ على الهامش قد تنتهي بتغيير ملامح الإقليم كله.
ولهذا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى قراءة أعمق لما يجري، بعيدًا عن الانفعال أو التفسيرات السريعة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في احتواء التصعيد الراهن، بل في منع تحوله إلى نقطة انطلاق لسلسلة أزمات قد تعيد الشرق الأوسط إلى دوامة صراعات مفتوحة لا يعرف أحد كيف يمكن أن ت
حين تُفتح صناديق النار في الشرق الأوسط


