حين يتحول النقد إلى نقض… وتضيع الضاد بين الألسنة
بقلم: محمد عطا القطيعي
ليست كل كلمةٍ تُقال سواء، ولا كل حرفٍ بريئًا من المعنى؛ ففي اللغة أحيانًا يكون الفرق بين حرفٍ وحرف هو الفرق بين فكرةٍ كاملة وفكرةٍ أخرى لا تمت إليها بصلة.
ومن أكثر الكلمات التي تاه معناها على ألسنة الناس: النقد والنقض.
فالنقد أن تنظر إلى الشيء بعينٍ واعية، فتقرأه وتفهمه وتحلله، ثم تُشير إلى مواضع القوة كما تُشير إلى مواضع الضعف. أما النقض فله شأن آخر؛ هو مصطلح قانوني له مجاله وأحكامه وإجراءاته، ولا سيما حين نتحدث عن الطعن بالنقض أمام محكمة النقض.
لكن المثير في الأمر أن الخلط بين الحرفين لم يعد مجرد خطأ لغوي عابر، بل أصبح أحيانًا انعكاسًا لخلطٍ أكبر في المفاهيم.
فنحن نرى من يظن أن انتقاد الإنسان يعني إسقاطه، وأن مخالفة الرأي تعني معاداة صاحبه، وأن كشف الخطأ يستلزم التجريح، وأن رفع الصوت يمكن أن يكون بديلًا عن قوة الحجة.
وهنا تتحول وظيفة النقد من مرآةٍ تكشف العيوب إلى مطرقةٍ تهدم الأشخاص.
النقد الحقيقي لا يكره ما ينتقد، ولا يمدح لمجرد المحبة، ولا يهاجم لمجرد الاختلاف. إنه موقفٌ عقلي وأخلاقي قبل أن يكون مهارةً في الكلام؛ لأن الناقد حين يكتب أو يتحدث لا يملك فقط حق إبداء رأيه، وإنما يتحمل أيضًا مسؤولية ما يقول.
في الفن، يكون النقد قراءةً للعمل لا إهانةً لصاحبه.
وفي السياسة، يكون النقد مناقشةً للقرار أو الفكرة أو الأداء، لا تشهيرًا بالإنسان لمجرد اختلاف الموقف.
وفي الصحافة، يكون النقد بحثًا عن الحقيقة ووضعها أمام القارئ بوضوح، لا صناعةً للخصومة من أجل الإثارة.
وفي القانون، يصبح الأمر أكثر دقة؛ فـالنقض ليس نقدًا للحكم بالمعنى الصحفي أو الأدبي، وإنما طريقٌ قانوني للطعن فيه وفق أسباب وقواعد محددة.
ولذلك، فإن القضية ليست في أن نقول: «نقد» أو «نقض» فحسب، وإنما في أن نعرف ماذا نقول، ولماذا نقوله، وما المسؤولية التي تترتب على قولنا.
لقد أصبحنا في زمنٍ يكثر فيه المتحدثون، ويقل فيه المتأملون؛ ترتفع الأصوات أحيانًا حتى تغطي على الأفكار، وتكثر الأحكام قبل اكتمال المعرفة، ويتحول بعض النقاشات إلى ساحات لإثبات الذات بدلًا من أن تكون مساحات لاكتشاف الحقيقة.
وهنا نحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى شيءٍ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: أدب الاختلاف.
فليس مطلوبًا منك أن توافقني حتى أحترمك، وليس مطلوبًا مني أن أوافقك حتى أستمع إليك. يكفي أن تكون حجتك واضحة، ولغتك منضبطة، ونيتك في الحوار قائمة على الفهم لا على الإلغاء.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الفرق بين النقد والنقض أن الكلمة ليست مجرد صوت يخرج من الفم؛ إنها معنى، والمعنى مسؤولية.
فإذا أردت أن تنتقد، فلا تهدم الإنسان وأنت تناقش الفكرة.
وإذا أردت أن تختلف، فلا تجعل الاختلاف خصومة.
وإذا أردت أن تصحح، فليكن تصحيحك أرقى من الخطأ الذي تنتقده.
أما الضاد التي تضيع بين الألسنة، فليست المشكلة الحقيقية في ضياع حرفٍ من كلمة، وإنما في أن تضيع معها دقة المعنى، وأمانة الكلمة، وأخلاق الحوار.
فالنقدُ حين يستقيم يصبح بناءً، والنقضُ حين يستعمل في غير موضعه يصبح خلطًا… وبين الحرف والمعنى مسافةٌ لا يقطعها إلا الوعي.
————-القطيعى الشريف ————
حين يتحول النقد إلى نقض… وتضيع الضاد بين الألسنة


