حين يختبئ الإنسان من السماء
مأدبة الرؤوس تحت المنديل الأبيض
بقلم: نعمة حسن
ليس كل ما يُوضع فوق المائدة طعامًا، وليس كل ما يُمارَس باسم التقاليد جديرًا بالبقاء.
أحيانًا تتحول المائدة إلى مسرح، ويتحوّل الطبق إلى اعتراف، ويصبح المنديل الأبيض ستارًا يفصل الإنسان عن ضميره؛ لا كي يحمي ثيابه من بقعة، بل كي يخفي وجهه وهو يرتكب فعلًا يعرف، في أعماقه، أنه لا يريد لأحد أن يراه.
في بعض الولائم الفرنسية القديمة، كان الضيوف يجلسون حول مائدة فاخرة، تتلألأ فوقها الكؤوس وتنعكس أضواء الشموع على الأطباق الفضية. ثم يصل الطبق المنتظر: طائر صغير لا يكاد يتجاوز حجمه قبضة اليد.
قبل أن يمد أحدهم أصابعه إليه، يرفع منديلًا أبيض كبيرًا، يضعه فوق رأسه، ويحجب به وجهه عن بقية الجالسين.
تختفي الملامح.
تضيق المسافة بين الأنف والطبق.
ويبدأ الطقس.
إنه طائر الأورتولان، واسمه العلمي Emberiza hortulana؛ طائر مغرّد مهاجر من فصيلة الدُّرسات، يعبر مساحات واسعة من أوروبا في طريقه إلى إفريقيا. كان يطير مدفوعًا بغريزة النجاة، باحثًا عن الدفء والطعام، لكنه في بعض مناطق جنوب غرب فرنسا لم يكن يجد سماءً مفتوحة، بل شباكًا وأقفاصًا وأيديًا تنتظر موسمه كما ينتظر آخرون موسم الحصاد.
لم يكن الأورتولان يُصطاد لأنه طائر جارح يهدد الناس، ولا لأنه آفة تفسد الزروع، ولا لأن لحمه يسد جوع الفقراء. كان يُصطاد، في جوهر الحكاية، لأن الندرة صنعت منه رفاهية، ولأن بعض الأثرياء أرادوا أن يتذوقوا ما لا يستطيع عامة الناس الوصول إليه.
وهكذا أصبح ضعف الطائر جزءًا من قيمته.
كلما صار الحصول عليه أصعب، ارتفع ثمنه.
وكلما حُظر صيده، ازداد بريقه في الولائم السرية.
وكأن بعض البشر لا يرون في المنع تحذيرًا أخلاقيًا، بل دعوة أكثر إثارة إلى التجربة.
كان الطائر يُؤخذ حيًا، ثم يُحتجز داخل صندوق أو قفص مغطى، بعيدًا عن الضوء. وفي الروايات التقليدية يُقدَّم إليه الدُّخن وغيره من الحبوب حتى يزداد وزنه وتتراكم الدهون في جسده الصغير. وتصف بعض المصادر هذه المرحلة بأنها تسمين قسري، بينما تشير أوصاف أخرى إلى أن إبقاءه في الظلام يربك دورة الليل والنهار لديه، فيستمر في تناول الطعام على نحو غير طبيعي.
أيًا تكن التفاصيل التي اختلفت من مكان إلى آخر، فإن النتيجة واحدة: لم يعد الطائر يُعامَل بوصفه كائنًا حيًا، بل بوصفه مادة يجري إعدادها؛ جسدًا يجب أن ينتفخ، ولحمًا يجب أن يلين، ونكهةً يجب أن تكتمل.
ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة في الحكاية.
بحسب الطريقة التقليدية الأشهر، يُغمر الطائر حيًا في شراب الأرمانياك، وهو نوع فرنسي من البراندي، فيموت غرقًا بينما يتشبع جسده بالخمر. وبعد ذلك يُنتف ريشه، ويُتبّل ويُطهى أو يُحمص كاملًا تقريبًا، حتى يصل إلى المائدة في هيئة لقمة صغيرة تخفي وراءها رحلة طويلة من الخوف والعجز.
يصل الطبق ساخنًا.
لا سكين تقطعه إلى شرائح مهذبة، ولا شوكة تفصل اللحم عن العظم.
فالطقس يقتضي أن يوضع الطائر كاملًا في الفم، وأن يُمضغ لحمه وجلده وأحشاؤه وعظامه الدقيقة معًا. وقد يتخلص الآكل من بعض الأجزاء الأكبر، لكن جوهر التجربة يقوم على التهام الطائر بوصفه جسدًا كاملًا؛ أن يتحول كائن كان يغني فوق الأغصان إلى أصوات عظام تتكسر بين الأسنان.
وهنا يظهر المنديل.
المنديل الأبيض الذي صار أشهر من الطبق نفسه.
تقول إحدى الروايات إن الغرض منه هو حبس الأبخرة والروائح المتصاعدة من لحم الطائر والأرمانياك، حتى يعيش الآكل التجربة بكامل حواسه. فالمنديل يصنع حول الوجه غرفة صغيرة، مغلقة ودافئة، لا تتسرب منها الرائحة ولا يضيع فيها المذاق.
ويقول تفسير أكثر عملية إن المنديل يخفي المشهد غير اللائق؛ حركة الفم، وبقايا العظام، وما قد يضطر الآكل إلى لفظه بعيدًا عن أعين رفاق المائدة.
لكن الحكاية التي خلدت الطقس ليست أكثر التفسيرات عملية، بل أكثرها رعبًا وشاعريةً في آن واحد.
فقد شاع أن الآكل يغطي رأسه كي يخفي فعلته عن عيني الله.
كأن المنديل يستطيع أن يحجب السماء.
كأن قطعة قماش بيضاء تكفي لصنع منطقة لا تصل إليها العدالة.
وكأن الإنسان، حين يخجل من فعلته، لا يتوقف عنها بالضرورة؛ بل قد يكتفي بإغلاق الستار.
لا يوجد دليل تاريخي قاطع يثبت أن المنديل نشأ فعلًا بقصد «الاختباء من الله». إنها رواية رمزية التصقت بالمأدبة حتى أصبحت جزءًا من أسطورتها. لكن بقاء هذه الرواية وانتشارها ليسا بلا معنى؛ فالأساطير لا تلتصق بالأفعال اعتباطًا، وإنما تنمو غالبًا حول حقيقة نفسية عميقة.
وربما كانت الحقيقة هنا أن الطقس نفسه يحتاج إلى ستار.
فالإنسان لا يخفي عادةً ما يفتخر به.
ولا يغطي وجهه حين يطعم جائعًا أو ينقذ مخلوقًا أو يمارس فعلًا يراه نبيلاً. لكنه، في مأدبة الأورتولان، يجلس مختبئًا؛ حاضرًا بجسده، غائبًا بوجهه، كأنه يريد متعة الفعل من دون أن يتحمل صورته.
تحت المنديل، تختفي الفروق بين المائدة والمذبح.
لكن الأورتولان لم يكن قربانًا دينيًا بالمعنى الحقيقي؛ فلا معبد هنا، ولا كاهن، ولا إله تطلب الأسطورة إرضاءه بدم الطائر. إن وصفه بالقربان لا يتجاوز المعنى المجازي: كائن صغير يُضحّى به على مذبح الترف، ويُقدم إلى شهية لا تبحث عن الطعام بقدر ما تبحث عن التفرد والقوة.
فالفقير حين يأكل ليدفع الجوع عن جسده لا يحتاج إلى طقس سري.
أما من يأكل طائرًا نادرًا ومحميًا، وهو يعلم أن الحصول عليه تم خلسةً، فقد لا يتذوق اللحم وحده؛ بل يتذوق شعور امتلاك ما حُرم منه الآخرون، واختراق القانون، والاقتراب من حدود لا يجرؤ الجميع على تجاوزها.
وهنا يصبح الطعام لغة سلطة.
أنا أستطيع أن أحصل على ما لا تستطيع الحصول عليه.
أستطيع أن أشتري الممنوع.
أستطيع أن أجلس خلف الأبواب المغلقة، وأضع منديلًا فوق رأسي، ثم أخرج إلى العالم بوجه نظيف، كأن شيئًا لم يحدث.
ظل صيد الأورتولان موضع صراع بين دعاة حماية الطبيعة والمدافعين عن «التقاليد». وقد حظرت تشريعات الاتحاد الأوروبي قتل هذا الطائر أو أسره، كما أُدرج ضمن الأنواع المحمية في فرنسا منذ عام 1999. ومع ذلك استمر الصيد غير المشروع سنوات طويلة، حتى إن المفوضية الأوروبية اتهمت السلطات الفرنسية في وقت سابق بالتساهل في تطبيق القانون. وأشارت بيانات أوروبية إلى أن أعداد الأورتولان في أوروبا انخفضت بنحو 84% بين عامي 1980 و2012.
وأظهرت دراسة علمية واسعة، اعتمدت على أجهزة تتبع وتحليلات وراثية ونظائر مستقرة، أن الطيور التي تمر عبر فرنسا تنتمي إلى تجمعات شمالية وغربية صغيرة ومتفرقة ومتراجعة، وأن استمرار قتلها في جنوب غرب فرنسا ليس مستدامًا، بل يزيد خطر اختفاء بعض هذه التجمعات. ليست القضية إذن معركة عاطفية بين محبي الطيور ومحبي الطعام، وإنما حساب قاسٍ تجريه الطبيعة: عندما يُقتل من النوع أكثر مما يستطيع تعويضه، تتحول «العادة» ببطء إلى حكم بالإعدام.
ومع ذلك، كلما طُرحت مسألة المنع، ظهر من يرفع كلمة «التراث» كأنها حصانة أخلاقية.
لكن هل يصبح الفعل صائبًا لمجرد أن الأجداد فعلوه؟
لو كانت القِدمة برهانًا على الفضيلة، لوجب على البشرية أن تحتفظ بكل ما ورثته من تعذيب وتمييز واستعباد. غير أن الحضارة لا تعني أن نقدس الماضي كله، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لاختيار ما يستحق أن يستمر منه، ودفن ما يجب أن ينتهي.
فليست كل التقاليد ذاكرة جميلة.
بعضها جرح قديم حافظ الناس عليه حتى ظنوه زينة.
وبعضها قسوة ارتدت ثياب الاحتفال، فصار الاعتراض عليها يبدو اعتداءً على الهوية.
إن مأدبة الأورتولان ليست قصة طائر فرنسي صغير فحسب، بل مرآة مكبرة لسلوك إنساني يتكرر بأشكال مختلفة: نصنع الألم بعيدًا عن أعيننا، ثم نستهلك نتائجه في صورة أنيقة. لا نرى القفص في الطبق، ولا نسمع ارتطام الجناحين بجدرانه، ولا نشاهد لحظة الغرق. تصلنا النهاية وحدها، مزينةً ومتبلةً وموضوعةً على خزف فاخر.
وهكذا تعمل المسافات المريحة.
المسلخ بعيد، فنأكل بلا صورة.
والغابة تُقطع في قارة أخرى، فنشتري الأثاث بلا صوت الأشجار.
والعامل المرهق مجهول الاسم، فنرتدي ما صنعته يداه من دون أن نسأل كم دُفع له.
والطائر يصل إلى المائدة بعد أن مُحيت رحلته، فيراه الآكل لقمة لا حياةً كاملة.
المنديل، في هذا المعنى، ليس قطعة قماش تخص مأدبة فرنسية قديمة؛ إنه رمز لكل ما نضعه بين أعيننا وبين عواقب أفعالنا.
قد يكون المنديل شاشة.
قد يكون مالًا.
قد يكون تبريرًا لغويًا ناعمًا.
قد يكون كلمة «تراث»، حين تُستخدم لإسكات الضمير.
وقد يكون مجرد رغبتنا في ألا نعرف.
ربما لهذا بقيت صورة الرجال والنساء الجالسين تحت المناديل البيضاء أكثر إثارة للاضطراب من طريقة طهي الطائر نفسها. فالوجه هو موضع الهوية والمسؤولية. حين نخفيه، نعلن بصورة غير مباشرة أننا لا نريد أن يُنسب الفعل إلينا.
نريد اللذة، لكننا لا نريد الصورة.
نريد النتيجة، لكننا لا نريد الرحلة.
نريد أن نأكل الخطيئة، ثم نمسح أفواهنا ونعود أبرياء.
غير أن السماء، في الحكاية، ليست هي التي تحتاج إلى رؤية الوجوه؛ نحن الذين نحتاج إلى رؤيتها.
نحتاج إلى أن ننزع المنديل، لا لأن الله تعجز قطعة قماش عن حجبه، بل لأن الضمير يموت حين يتعلم الاختباء. ونحتاج إلى النظر مباشرةً في ما نصنعه، لأن الأخلاق تبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن تحويل الكائنات إلى أشياء، والألم إلى وصفة، والقسوة إلى احتفال.
كان الأورتولان يغني ذات يوم فوق الحقول، لا يعرف أنه سيصبح رمزًا للفخامة ولا موضوعًا لصراع قانوني وأخلاقي. لم يطلب أن يدخل التاريخ من باب المطبخ، ولم يختر أن تكون نهايته طقسًا يؤديه أناس يخجلون من السماء ولا يخجلون بما يكفي كي يتوقفوا.
وربما تكون المفارقة الأشد قسوة أن الطائر لم يحتج يومًا إلى منديل.
الإنسان وحده هو من احتاج إليه.
احتاج إلى حاجز أبيض صغير يفصله عن الحقيقة، وإلى ظلام مؤقت يقنعه بأن ما لا يراه لا يُحسب عليه.
لكن الأفعال لا تختفي حين نغطي وجوهنا.
والخطيئة لا تفقد اسمها حين تُقدَّم في طبق فاخر.
والسماء، حتى داخل الأسطورة، لم تكن هي المخدوعة.
كان الإنسان يخدع نفسه.
فحين تعجز يدٌ عن التوقف، تبحث عن ستار.
وحين يعجز الضمير عن تبرير القسوة، يطلب منديلًا أبيض… ويغطي رأسه.
فالضمير ينبض حتى في أوج العتمة ..
مع تحياتي ..
نعمه حسن .

