الرئيسيةمقالاتحين يغير البحر اتجاهه
مقالات

حين يغير البحر اتجاهه

حين يغير البحر اتجاهه

حين يغير البحر اتجاهه

بقلم/نشأت البسيوني 

 

في اللحظة التي يقرر فيها البحر أن يغير اتجاهه يفهم الإنسان أن كل ما كان ثابتا قابل للتحول وأن كل يقين صنعه الزمن يمكن أن يذوب في ثانية واحدة البحر الذي اعتدنا رؤيته ممتدا بلا نهاية وصامتا رغم آلاف الأسرار التي يخفيها يصبح فجأة مرآة تعكس حقيقتنا نحن لا حقيقته هو البحر لا يتغير لأنه متقلب بل لأنه صادق والصادق وحده قادر على أن يعيد تشكيل ملامحه بما 

يناسب اللحظة التي يعيشها البحر لا يسمع صراخ الناس لكنه يسمع ما لا تقوله قلوبهم البحر لا يحتفظ بآثار الخطوات لكنه يحتفظ بملامح الوجوه التي وقفت أمامه تبحث عن خلاص أو بداية أو نهاية البحر يعرف الضعف دون أن يجرح ويعرف الألم دون أن يفضح ويعرف من يقف على شاطئه هاربا ومن يقف مشتاقا ومن يقف مفلسا من الكلام كل أولئك يراهم دون أن ينطق بكلمة لأن 

أمواجه تتكلم بالنيابة عنه كلاما لا يسمعه إلا من احترف الإنصات للحياة وفي الليالي التي يصفو فيها القمر فوق سطحه يتحول البحر إلى كتاب مفتوح صفحة زرقاء واسعة تخبئ بين سطورها اعترافات لم يجرؤ البشر على قولها البحر لا يذكر أحدا بماضيه لكنه يكشف له مستقبله عندما يلمع الضوء فوق الماء كأنه يدعوه لنقطة بداية جديدة بداية لا تشبه الأمس ولا تخضع لندم الماضي البحر يمنح 

فرصة دون أن يطلب شيئا ويأخذ الألم دون أن يترك أثراً إلا على من تمسك بجراحه أكثر مما تمسك بيده وحين يغير البحر اتجاهه تشعر أن العالم يتنفس معك وأن الهواء يختلف وأن الهدوء الذي يسبق الموج يشبه لحظة يقين تأتي بعد سنوات من التيه كأن شيئا داخلك يجد طريقه بعد أن كان تائها بين ضوضاء الناس وضغط الأيام ومرايا الحقيقة التي تخيف أكثر مما تكشف وقتها تدرك أن 

البحر لم يتغير بل أنت الذي تغيرت وأن نظرتك التي كانت ترى الأمواج كفوضى أصبحت تراها كإيقاع منتظم يكتب لك ما عجزت عن كتابته لنفسك البحر لا ينتصر على أحد لكنه يعرف معنى الانتصار الحقيقي أن تهدأ بعد عاصفة وأن تبتسم بعد تعب وأن تقف بعد سقوط البحر يعلمنا أن القوة ليست في الصوت العالي بل في القدرة على العودة مهما غرقنا وأن الإنسان الذي يحاول مرة أخرى 

يشبه موجة لا تموت مهما انكسرت البحر لا يكذب لأنه لا يخاف ولا يخفي لأنه لا يحتاج ولا يهرب لأنه لا يملك إلا الحقيقة التي يجرفها معه من عمق الأرض إلى سطح الحياة ولذلك حين يغير البحر اتجاهه لا يكون السؤال لماذا تغير هو بل لماذا نحن لم نتغير بعد لماذا نصر على البقاء كما نحن رغم أن الماء الذي نتعلم منه يتبدل كل ثانية لماذا نقاوم التحول وكأنه خيانة بينما هو في الأصل ولادة 

جديدة ولماذا لا نسمح لأنفسنا بأن نغسل قلوبنا كما يغسل البحر كل شاطئ يقصده يبقى البحر أكبر من الحكايات وأعمق من الألم وأصدق من البشر الذين يرمون فيه أوجاعهم كل يوم ثم يعودون إليه في اليوم التالي لأنهم يعرفون أنه الوحيد الذي يسمع دون أن يمل ويمحو دون أن يطلب شكرا ويحتضن دون أن يسأل البقايا التي يتركها الموج على الرمل ليست بقايا البحر بل بقايا الإنسان نفسه والبحر فقط يعيدها إليه كي يراها بوضوح

حين يغير البحر اتجاهه

حين يغير البحر اتجاهه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *