حين يقترب العلم من قراءة العقل البشري
بقلم: نعمه حسن
في الماضي كانت الخصوصية تُقاس بما تملكه من أبوابٍ مُغلقة:
بيتٌ لا يدخله أحد، هاتفٌ لا يفتحه أحد، رسالةٌ لا يقرأها أحد.
أما اليوم… فهناك سؤالٌ أخطر من كل ذلك:
هل تبقى الخصوصية موجودة حين يصبح العقل نفسه قابلًا للفك والقراءة؟
نحن لا نعيش فقط عصر المعلومات… بل نعيش لحظة انتقال مرعبة في تاريخ الإنسان:
من زمن كانت فيه الفكرة “سرًّا شخصيًا”…
إلى زمن قد تصبح فيه الفكرة “بيانات يمكن تفسيرها”.
قد يبدو الأمر كأنه خيال علمي، لكنه لم يعد كذلك.
إنه واحدٌ من أكثر مسارات البحث العلمي إثارة للدهشة والقلق معًا:
فك شيفرة الدماغ… وتحويل نشاطه إلى لغةٍ يمكن للآلة أن تتعلّمها.
العقل لا يصمت… العقل يبث
يظن كثيرون أن الإنسان لا “يقول” إلا حين يتحدث، ولا “يكشف” إلا حين يكتب.
لكن الحقيقة أعمق:
الدماغ لا يحتاج إلى كلمات كي يفضح ما يحدث داخله.
داخل هذه الكتلة الرمادية التي نحملها في رؤوسنا، تحدث عمليات لا تتوقف:
إشارات كهربائية، أنماط عصبية، تذبذبات، تغيّر في تدفق الدم، موجات تتصاعد وتهبط…
وكل ذلك يترك “أثرًا” يمكن التقاطه بأدوات علمية مختلفة.
ما الذي يعنيه هذا؟
يعني أن العقل، حتى وهو صامت، يرسل إشارات.
وأن العلم بدأ يتعامل مع هذه الإشارات كما يتعامل مع أي “لغة”:
التقاط… تحليل… ثم محاولة ترجمة.
من الطب إلى ما بعد الطب: أين يقف الحد الفاصل؟
من العدل أن نقول إن البدايات لم تكن “مؤامرة” ولا “غزوًا للخصوصية”.
البدايات كانت إنسانية جدًا:
كيف نساعد مريضًا فقد القدرة على الكلام؟
كيف نعيد الحركة لمن أصيب بالشلل؟
كيف نمنح الأمل لمن انحبس داخل جسده وهو ما يزال واعيًا بكل شيء؟
هنا تحديدًا تظهر إحدى أكثر الأفكار العلمية عبقرية في زمننا:
واجهات الدماغ والحاسوب (Brain–Computer Interfaces)
وهي محاولات لخلق جسر بين الإشارة العصبية وبين جهازٍ خارجي:
أن يفكر الإنسان… فتتحرك أداة، أو تُكتب كلمة، أو تُنفّذ إشارة.
هذه التطبيقات تحمل وعدًا طبيًا وإنسانيًا هائلًا.
لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة:
إذا استطاع العلم أن يترجم جزءًا من نشاط الدماغ…
فمن يضمن ألا تتحول الترجمة إلى قراءة أعمق، ثم إلى توقّع، ثم إلى توجيه؟
الذكاء الاصطناعي لا “يفهمك”… لكنه يتنبأ بك
الفرق الكبير الذي صنع القفزة المرعبة ليس مجرد أجهزة القياس…
بل الذكاء الاصطناعي.
الآلة لا تحتاج أن “تدرك” المعنى كما يدركه الإنسان.
يكفي أن تتعلم علاقة متكررة بين نمطٍ عصبي وبين نتيجة.
مثلًا:
إذا تكرر نمط معين في الدماغ قبل أن ينطق الإنسان بكلمة…
يمكن للآلة أن تتوقع الكلمة المحتملة.
وإذا تكرر نمط آخر أثناء تخيل صورة…
يمكن للآلة أن تلتقط “النوع العام” للصورة أو الفكرة.
بمعنى أدق:
الذكاء الاصطناعي لا يقرأ الأفكار كما يقرأ الإنسان كتابًا،
لكنه يقرأ الاحتمالات كما يقرأ المحلل شيفرةً معقدة.
والنتيجة واحدة من ناحية الأثر:
الإنسان لم يعد وحده في رأسه.
لماذا تُعد هذه التقنية مخيفة؟ لأنها تقترب من “آخر مساحة آمنة”
كل ما سبق قد يُقرأ على أنه تقدّم تقني طبيعي.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها…
بل في فكرة واحدة: الحدود.
فحتى أسوأ أشكال المراقبة التقليدية كانت تتوقف عند الخارج:
ما تقول
ما تكتب
ما تنشر
ما تتصل به
أين تذهب
أما “قراءة النشاط العصبي” فتعني الاقتراب من الداخل.
من الفكرة قبل أن تُصبح كلمة.
ومن النية قبل أن تتحول إلى فعل.
وهنا يتحول السؤال من فضولٍ علمي إلى قضية وجود:
هل يمكن أن تُسلب منك خصوصيتك دون أن تتحدث؟
إنها لحظة تبدّل فلسفي مخيف:
قد تصبح حرية الإنسان ليست فقط في ما يفعل…
بل في ما يستطيع أن يخفيه داخل نفسه
حين تصبح الفكرة هدفًا… تبدأ حرب جديدة
إذا كانت المعلومة سلاحًا دوليًا، فإن القدرة على فك شيفرة الدماغ قد تصبح سلاحًا “أعلى” من المعلومة نفسها.
لسبب بسيط:
المعلومة تؤثر فيك بعد أن تسمعها.
أما قراءة العقل فتقترب منك قبل أن تتخذ موقفك.
تخيل مستقبلًا تُعرف فيه ردود فعلك قبل أن تتشكل.
وتُرصد نقاط ضعفك النفسية قبل أن تعترف بها.
وتصبح “الانفعالات” التي تظنها شخصية… مجرد بيانات قابلة للتصنيف والاستغلال.
قد يبدو هذا مبالغًا فيه، لكنه منطق التطور الطبيعي حين تبدأ التقنية في اختراق ما كان محصنًا طوال تاريخ البشر:
الداخل الإنساني.
بين العلاج والسيطرة: المنطقة الرمادية التي لا يريد العالم الاعتراف بها
أخطر ما في هذا الملف ليس أنه “قادم”… بل أنه قد يأتي باسم الخير.
لا أحد يعترض على علاج مريض.
ولا أحد يرفض إنقاذ إنسان من عجزه.لكن التاريخ يعلمنا أن التقنيات لا تبقى في مكان واحد.
كل اختراع يبدأ صغيرًا… ثم يتحول إلى قوة عامة… ثم إلى سوق… ثم إلى سلاح.
حتى الإنترنت نفسه بدأ كمنظومة اتصال،
ثم أصبح اقتصادًا،
ثم أصبح رأيًا عامًا،
ثم أصبح ساحة حرب.
المنطقة الرمادية هنا هي الأخطر:
هل يُسمح بجمع بيانات عصبية؟
من يملكها؟
لمن تُباع؟
كيف تُخزن؟
من يضمن ألا تُستخدم خارج إطارها الطبي؟
ين لا توجد إجابات واضحة… يصبح السؤال وحده دليلًا كافيًا على الخطر.
هل انتهى عصر الخصوصية؟ أم بدأ عصر جديد من “الحماية العقلية”؟
التقنيات لا تُمنع بالصراخ.
ولا تُواجه بالخوف وحده.
بل تُواجه بقوانين ووعي ومعايير أخلاقية صارمة.
والوعي هنا ليس رفاهية، بل ضرورة أمنية واجتماعية.
لأن ما يحدث ليس مجرد تقدّم علمي… بل إعادة تعريف للإنسان:
هل الإنسان كائن حر؟
أم مجرد نمط عصبي يمكن التنبؤ به؟
هل الفكرة حق شخصي؟
أم معلومة محتملة تُستخرج بمجرد امتلاك أدوات القياس والتحليل؟
هذه الأسئلة ليست فلسفة صالونات.
هذه “شروط حياة” في زمن قادم.
ما الذي يجب أن نفهمه الآن؟
الفكرة الأساسية التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج هي هذه:
العلم يقترب من قراءة العقل… لكن الخطر ليس في العلم، بل في من يحمل مفتاحه.
التقنيات التي تعالج قد تتحول إلى تقنيات تُسيطر.
والأدوات التي تُساعد قد تصبح أدوات تُصنّف وتُراقب وتُحدد الاتجاهات.
ليس لأن العلماء أشرار…
بل لأن السلطة دائمًا تبحث عن أدوات جديدة،
ولأن الأسواق دائمًا تبحث عن “منتج جديد”،
ولأن الإنسان أحيانًا يفتح الباب بنفسه حين يظن أن الكلفة بسيطة.
والخلاصة : حين يصبح العقل شفرة… من يحمي الإنسان؟
قد لا نكون بعد في زمن يستطيع فيه أحد أن يقرأ أفكارك كما تُقرأ الصفحات،
لكننا بلا شك في زمن بدأت فيه التجارب والبحوث تقترب من ترجمة ما كان مستحيلًا ترجمتُه:
النية، التخيل، الإشارات الصامتة، ومقدمات القرار.
السؤال لم يعد: “هل سيحدث ذلك؟”
بل: كيف سنستقبله حين يحدث؟
لأن العالم يتغير بسرعة،
والخطر الأكبر ليس أن تتقدم التكنولوجيا…
بل أن تتقدم قبل أن نقرر نحن كيف نعيش معها.
وفي هذا العصر تحديدًا، يجب أن نعيد تعريف الخصوصية تعريفًا جديدًا:
ليس بما نُخفيه من كلمات…
بل بما نحميه من أفكار.
فإذا كانت الحروب القديمة تقتحم حدود الدول، فإن الحروب القادمة قد تقتحم حدود الإنسان ذاته.
وسؤالى هل نحن جاهزون لتقدم التكنولوجيا.. ام ستتفوق علينا وتشن حروباً لم نكن مسلحين بما يكفي
حفظنا الله جميعاً..
مع تحياتي ..
بقلم: نعمة حسن
حين يقترب العلم من قراءة العقل البشر


