“دواء من الطبيعة… والأنبوب: كيف تتعاون الإنزيمات والكيمياء لصنع علاجات الغد”
بقلم الدكتور/مازن إسماعيل محمد :
مكة المكرمة:-
في عالم يتسارع فيه البحث عن علاجات فعالة لأمراض معقدة مثل السرطان والفيروسات المزمنة، تبرز نظائر النيوكليوزيد (Nucleoside Analogues) كأحد الأعمدة الأساسية في تطوير الأدوية الحديثة. هذه المركبات، التي تحاكي البنية الأساسية للنيوكليوزيدات الطبيعية في الحمض النووي، تُستخدم على نطاق واسع في علاج أمراض مثل فيروس نقص المناعة (HIV) والتهاب الكبد الوبائي والعديد من أنواع السرطان. ومع ذلك، فإن تصنيعها لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالكفاءة والدقة والتكلفة.
في هذا السياق، نشرت مجلة Nature Synthesis ورقة بحثية رائدة بعنوان Preparation of nucleoside analogues: opportunities for innovation at the interface of synthetic chemistry and biocatalysis، أعدها كل من Admir Salihovic وAndrea Taladriz-Sender وGlenn A. Burley. تستعرض الورقة آفاقًا جديدة ومثيرة في مجال تحضير نظائر النيوكليوزيد، من خلال الدمج الذكي بين الكيمياء التخليقية (Synthetic Chemistry) والتقنيات الحيوية أو التحفيز الحيوي (Biocatalysis).
توضح الورقة أن الطرق التقليدية المعتمدة على الكيمياء العضوية غالبًا ما تكون معقدة، وتتطلب خطوات متعددة لحماية وإزالة الحماية، كما تعاني من صعوبة في التحكم في التماثل الفراغي (stereoselectivity) أثناء بناء الجزيئات. هذه التحديات تجعل من الضروري البحث عن طرق أكثر كفاءة وانتقائية.
هنا يأتي دور التحفيز الحيوي، الذي يعتمد على استخدام إنزيمات طبيعية أو معدّلة مثل nucleoside phosphorylases وglycosyltransferases، لتسهيل بناء الروابط بين القواعد النيتروجينية والسكريات. هذه الإنزيمات لا توفر فقط انتقائية عالية، بل تعمل أيضًا في ظروف معتدلة وصديقة للبيئة، مما يقلل من البصمة الكربونية لعمليات التصنيع. كما أن تطوير إنزيمات هندسية قادرة على قبول ركائز غير تقليدية يفتح الباب أمام تصميم جزيئات دوائية جديدة بخصائص محسّنة.
الورقة لا تكتفي بالجانب النظري، بل تسلط الضوء على أمثلة تطبيقية ناجحة استخدمت فيها هذه الأساليب لتصنيع نظائر نيوكليوزيد معقدة بكفاءة عالية. وتؤكد أن هذا النهج المزدوج يمكن أن يسرّع من وتيرة تطوير الأدوية، ويقلل من التكاليف، ويعزز الاستدامة في الصناعات الدوائية.
في الختام، تدعو الدراسة إلى تعزيز التعاون بين الكيميائيين والبيولوجيين، وتبني نهج متعدد التخصصات لتجاوز الحواجز التقليدية في تصنيع الأدوية. إن الدمج بين الكيمياء التخليقية والتحفيز الحيوي لا يمثل فقط فرصة علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات الصحية العالمية بطرق أكثر ذكاءً واستدامة.

