رحمة الله تعالى بالفقراء
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا يا عباد الله أنه من رحمة الله تعالى بالفقراء أن جعل لهم حقا ثابتا واجبا في أموال الأغنياء، وهو ما يخرجونه من زكوات أموالهم، وقد رغب الشارع الحكيم في بذل المعروف والصدقة للمحتاجين، ووعد على ذلك الأجر الجزيل والعاقبة الحميدة، ولكن من الذين تكون لهم العلو والغلبة في الأرض؟ فإن الله عز وجل ينصر أهل الإيمان علما وعملا وحالا كما قال تعالى ” ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” وقال تعالى ” ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين” فبحسب الإيمان يكون العلو لنا وبحسب إيماننا تكون العزة لنا، إذن أيها المسلمون هذه الأيام والسنوات العصيبة التي نمر بها الآن هذه فترة طارئة لا بد أن تنته، ولا يظنن أحد أن أمر الكفار قائم إلى قيام الساعة أبدا وإنما سيأتي الله بموعده للمؤمنين ويكون النصر لهم، فنقول هذه الكلمات المهمة وهي مأخوذة من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله الذي رأى بنافذ بصيرته.
هذا الشعور الاستسلامي في نفوس المسلمين، فساق إلينا هذه الكلمات لكي ننعش الأمل في أنفسنا أن الغلبة للإسلام ولكي لا نغتر بغلبة الكفار وسيطرتهم ولكي لا نترك الاعتداد لنصرة الدين ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن ينصر دينه وأن يجعلنا ممن يعلي بهم شريعته، وأن يجعلنا ممن يجاهدون في سبيله، ولكن لماذا يبتلى الله عز وجل المؤمنين، وهم ينصرون دينه؟ فنقول إن وعد الله عز وجل للمؤمنين بالنصر إذا تمسكوا بدينه نافذ، ولا بد في الدنيا قبل الآخرة، وتأتي هنا بعض الشبهات لبعض الناس فيقولون فلماذا إذن يحصل الإبتلاء، والامتحان، ولماذا إذن قدر الله على بعض المؤمنين بالابتلاء والأذى، وهم ينصرون دينه، ويسعون لإعلاء كلمته، وما بالنا إذن قد ينتقل الإنسان إلى ما هو أبسط من ذلك، فيقول ولماذا صرت أنا فقير؟ ولماذا صرت مبتلى؟ وهكذا وأنا مسلم أما عوام الموحدين إذا أوردت عليهم هذا الإيراد قالوا “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”
وهذا صحيح ولا شك، ولكننا نريد أن نفهم جذور هذا الابتلاء وما هي المعاني التي تتضمنه وشيئا من الحكم التي قد نراها ونحس بها من ابتلاء الله لعباده المؤمنين حيث قال الله تعالى ” وسعت كل شئ رحمة وعلما” فوسع رحمة الله كل شيء، وأحاط بكل شيء علما، واعلموا يا عباد الله إن الأولاد نعمة عظيمة ومنحة جليلة هم زينة الحاضر وأمل المستقبل هم حبات القلوب وفلذات الأكباد وقرة العيون سماهم الله زينة، يملئون البيوت بهجة وسرورا وينشرون السعادة ما داموا يتراكضون ويلعبون سمتهم البراءة لا يحسبون للأشياء حسابها ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل قمنا بما أوجب الله علينا تجاههم، وهل أدينا الأمانة هل قمنا بواجب الرعاية، وألسنا نهتم بمظاهرهم من الأكل والشرب والملبس ونغفل عما يبني عقولهم ويغذي أرواحهم، ألسنا نضن عليهم بالوقت فلا يكاد الأبوان يجلسان مع الأولاد إلا قليلا، وإن مصاعب الحياة ومطالبها.
شغلت الكثيرين عن أولادهم فأسلموهم للخادمات والمربيات فنتج عن ذلك أمور خطيرة ألسنا نناقش الأطفال ونعاتبهم أحيانا وكأنهم كبار يدركون آثار ما يفعلون وهم لا يعون ذلك أبدا وقد تكون ثمرة هذا النقاش والمحاسبة تكرر وقوع الخطأ منهم مرات عديدة، فيا أيها الآباء والأمهات عوّدوا أطفالكم الخير وعلموهم الفضيلة وربوهم على الخلق الحسن فيقول ابن مسعود رضي الله عنه ” حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة” رواه البيهقي، ولقد فرض الله عز وجل علي عباده فرائض، ولكن هناك فتن تحول بين العباد وبين هذه الفرائض، وإن الأموال والأولاد قد تقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا، والحياة التي يدعو إليها الإسلام حياة كريمة، لا بد لها من تكاليف، ولا بد لها من تضحيات، لذلك يعالج القرآن الكريم هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد، فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان، وبالتحذير من الضعف.
عن اجتياز هذا الامتحان، ومن التخلف عن دعوة الجهاد وعن تكاليف الأمانة والعهد، واعتبار هذا التخلف هو خيانة لله والرسول صلى الله عليه وسلم، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض، وهي إعلاء كلمة الله تعالى، وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق والعدل، ومع هذا التحذير والتذكير بما عند الله تعالى، من أجر عظيم يرجح الأموال والأولاد، التي قد تقعد الناس عن التضحية والبذل لدين الله عز وجل، فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والإحتياط، أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة.
رحمة الله تعالى بالفقراء


