زلزال “إبراهام” وصمود مسقط: هل يعي العرب ناقوس الخطر القادم؟
بقلم الدكتور/محسن رجب جودة
تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات حراكاً جيوسياسياً محموماً، تقوده واشنطن بأسلوب لا يمكن وصفه في القاموس السياسي سوى بـ “البلطجة الدبلوماسية والاقتصادية”. محاولات مستميتة لفرض “أمر واقع” جديد، وإجبار العواصم العربية على الانخراط في “اتفاقيات إبراهام” للتطبيع، دون قيد أو شرط، ودون أدنى اعتبار لحقوق الشعوب أو سيادة الدول.
وفي هذا المشهد العاصف، تبرز سلطنة عُمان كقلعة صمود عصية على الإملاءات، بالتوازي مع تجلي بُعد النظر التاريخي للدولة المصرية التي كانت أول من قرأ تفاصيل هذا المشهد وحذر من مآلاته، في وقت يدق فيه الواقع ناقوس الخطر ليصرخ في الجميع: “أفيقوا ياعرب.. فإن لم تفيقوا فالنار مثوى لكم!”
إن القراءة الدقيقة للمشهد الراهن تؤكد أن أي حديث عن تهدئة أو وقف للحرب الدائرة ليس منّة أو هبة من أمريكا والكيان الصهيوني، بل هم مرغمون رغم أنفهم على وقفها؛ لأنهم ببساطة لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الخسائر الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية.
وهنا تكمن الخدعة الكبرى:
أولا: يحاول التحالف الأمريكي الصهيوني الآن تحقيق أي انتصار -ولو كان صورياً- لتعويض انكساره الميداني.
وبما أنهم لا يستطيعون فرض شروطهم على الأطراف القوية في الميدان، فإنهم يحاولون توجيه ضرباتهم السياسية إلى “أطراف خارج الميدان” وفي أي مكان بالمنطقة.
النتيجة الصادمة هي أن النصر البديل الذي تبحث عنه الصهيونية لن يكون إلا على حساب العرب، الذين لم يحاربوا في هذه المعارك، وليس لهم فيها ناقة ولا جمل، لكنهم -للأسف- يدفعون دائماً تكلفة الضعف، والغباء السياسي، والشرذمة.
ثانياً: سلطنة عُمان.. صمود الدبلوماسية في وجه الابتزاز
في قلب هذا المستنقع السياسي، حاولت واشنطن استخدام كل أدوات الضغط لإجبار سلطنة عُمان على الالتحاق بقطار التطبيع القسري. عُرفت مسقط تاريخياً بـ “سويسرا الشرق الأوسط” لنهجها المحايد، لكن هذا الحياد تعرض لـ بلطجة أمريكية فجة تمثلت في:
الابتزاز الاقتصادي والسياسي: ربط ملفات التعاون الأمني والاستراتيجي بمدى استجابة السلطنة لـ “اتفاقيات إبراهام”.
محاولة كسر السيادة: السعي لفرض شروط تخدم مصالح الاحتلال على حساب ثوابت عُمان الراسخة تجاه القضية الفلسطينية.
رغم ذلك، أثبتت عُمان أن سيادتها ليست محل مساومة، رافضةً الانصياع لإملاءات واشنطن، ومؤكدة أن السلام لا يمر عبر بوابة الابتزاز.
ثالثاً: النبوءة المصرية.. “القوة المشتركة” كدرع ضد الابتزاز
وسط هذه الفوضى، يعيد التاريخ إنصاف الرؤية المصرية الثاقبة. فمنذ سنوات، والقيادة المصرية تلح وتدعو بجهود حثيثة إلى تأسيس “قوة عربية مشتركة”. لم تكن هذه الدعوة مجرد مناورة سياسية، بل كانت قراءة استراتيجية عميقة ومبكرة للمشهد الحالي.
”إن الأمن القومي العربي لا يمكن حمايته بوعود خارجية، بل بدرع عربي ذاتي قادر على الردع وحفظ التوازن.”
كانت مصر تقرأ المستقبل وتدرك أن غياب مظلة دفاعية وسياسية عربية موحدة سيجعل الدول العربية فرادى هدفاً سهلاً للاستفراد والبلطجة الدولية. فلو تم تفعيل تلك القوة العربية المشتركة، لما وجدت أي دولة عربية نفسها اليوم مضطرة لمواجهة التهديدات أو تقديم تنازلات مجانية تحت وطأة الترهيب.
رابعاً: حقيقة التطبيع.. اعتراف رسمي بالهزيمة
إن الوعي السياسي يفرض علينا تسمية الأشياء بمسمياتها؛ فمعنى أن تقبل الدول العربية اليوم بالتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني تحت الضغط، فهو اعتراف رسمي منها بهزيمتها هي فقط!
إن التوقيع على هذه الاتفاقيات في هذا التوقيت بالذات يعني منح الصهيونية طوق نجاة وهي تحاول أن تمسك بأي أوراق للعب حتى آخر أنفاسها التي أوشكت على الانقضاء بفعل ضربات الميدان.
خلاصة الموقف: هل من مجيب لـ “ناقوس الخطر”؟
إن ما تعرضت وتتعرض له سلطنة عُمان من ممارسات فجة، وما تشهده المنطقة من محاولات صهيونية لتعويض خسائرها بانتصارات سياسية على حساب العرب، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المقترح المصري بإنشاء قوة عربية مشتركة لم يكن ترفاً، بل كان طوق النجاة الحقيقي.
إن الصمود الفردي لم يعد كافياً، والبلطجة الدولية لا تحترم إلا الأقوياء. لقد دقت نواقيس الخطر، ولم يعد أمام العواصم العربية سوى خيارين: إما الاستفاقة الفورية وإحياء التكتل الدفاعي والسياسي الموحد، أو الاستمرار في دفع فاتورة صراعات المنطقة من سيادتهم وكرامتهم ومستقبل شعوبهم.
زلزال “إبراهام” وصمود مسقط: هل يعي العرب ناقوس الخطر القادم؟


