الرئيسيةمحافظاتسقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز
محافظات

سقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز

سقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز

سقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز

————————————————————

كتب اشرف زيدان

زمان كان العمدة كبير البلد بحق رجل اذا مر في الغيط انحنت السنابل احتراما قبل ان تنحني الرؤوس، وكان بيته مفتوح قبل ديوانه، وصوته هادئ لكنه مسموع، وهيبته طالعة من عدله لا من كرسيه، يعرف الكبير والصغير، يفض خصومة قبل ان تكبر، ويستر على المخطئ قبل ان يفضحه، وكانت كلمته عهد لان قلبه كان اوسع من حدود الناحية.

 اما اليوم فنسمع عن بعض النماذج، وليس الكل، صارت لا ترى في المنصب الا فرصة لالتقاط فيديو واستعراض سلطة، كأن العمدة تحول عند البعض الى موظف توقيع عقوبات موسمية، يوزع الصفعات كما توزع نشرات الطقس، بلا حكمة ولا رحمة، وكأن الكرامة العامة بند يمكن شطبه من دفتر الخدمة، اي زمن هذا الذي يصبح فيه بعض العمد مجرد فئة ادارية ببدلة مكوية وقلوب تشبه ورق البفرة.

 

زمان كان العمدة يعرف ان هيبته ليست عصا يلوح بها في وجوه الناس بل عدل يقيمه فيهم، وكان يدرك ان البلد امانة في عنقه، وان سمعته من سمعتها، فلا يرضى ان تتحول قريته الى مرتع فساد ولا ان تصبح بيوتها ستارا لمعصية تجر العار على الجميع، كان اذا علم ببيت يمارس فيه البغاء تحرك فورا، لا شماتة ولا استعراض، بل حفاظا على سمعة بلد يعرف ان الشرف فيها رأس المال الحقيقي، وكان يطرد كل من يسيء اليها لان وجود هذا الفساد لا يسيء فقط للناس بل يهين العمدة نفسه قبلهم، ويجعله في نظر القرى المجاورة رجلا عاجزا يحتمي باللقب بينما الفساد يسرح ويمرح تحت سمعه وبصره.

العمدة الحقيقي كان يفهم ان الشرع قبل القانون، وان القانون نفسه لا يحمي الفساد بل يجرمه، وكان يعلم ان من يسعى في الارض فسادا لا يواجه بابتسامة مجاملة ولا بتصوير مشهد استعراضي، بل بموقف حاسم يعيد للبلد توازنها ويحفظ لاهلها كرامتهم، لم يكن يسمح ان تتحول قريته الى عنوان رخيص يتداوله الناس في المجالس، ولم يكن يقبل ان يكون موضع تهزيء من عمد القرى المجاورة لان في بلده بيوت دعارة تعمل وكأنها دكاكين مفتوحة، فالهيبة لا تتجزأ، ومن يفرط في سمعة بلده يفقد احترامه قبل ان يفقد منصبه.

اما اليوم فالمفارقة موجعة، نرى بعضهم يستعرض سلطته على ضعيف في لقطة عابرة، بينما يغض الطرف عن فساد حقيقي ينخر في الجدران بصمت، يشتد على فرد اعزل ثم يتهاون مع من يسيء لسمعة البلد كلها، يظن ان الهيبة تصنعها صفعة امام الكاميرا، وينسى ان الهيبة الحقيقية تصنعها مواقف صامتة تحمي المجتمع من الانحدار، اي عبث هذا الذي يجعل بعض العمد اقسى على انسان واحد من قسوتهم على الفساد ذاته.

وهنا كلمة واضحة وصريحة، من رأى ان هذا الكلام يعنيه فليلبسه لانه على مقاسه تماما، ومن وجد نفسه في هذه السطور فليعلم ان المرآة لا تظلم احدا، اما من يرى ان ما كتبناه يعبر عن واقع نعيشه ونراه كل يوم فله على الرأس والعين، لان النقد ليس خصومة بل تصحيح مسار، وليس شماتة بل صرخة غاضبة في وجه كل من يفرغ المنصب من معناه.

العمدة ليس موظف امن موسمي ولا بطلا في فيديو عابر، العمدة ضمير قرية كاملة، فان صلح صلحت صورته في عيون الناس، وان ضعف تجرأ عليه القريب قبل البعيد، والفرق بين عمد زمان وعمد اليوم ليس في اللوائح ولا في الازياء الرسمية، بل في القلب الذي يحمل المنصب، قلب يعرف ان الكرسي تكليف ثقيل ومسؤولية امام الله وامام الناس، لا فرصة لفرض سطوة فارغة، ومن لا يحتمل هذا الحمل فليتركه لمن يفهم ان سمعة البلد اشرف من لقطة، وان كرامة الناس اثمن من استعراض، وان الهيبة لا تولد من الخوف بل من العدل.

سقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز

سقوط هيبة العمدة بين صفعة علنية وصمت مخز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *