سلام مؤجل على خطوط النار
كتب ضاحى عمار
يبدأ المشهد السورى من بوابة الشمال الشرقى على إيقاع اتفاق وُصف بالشامل بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية قسد، اتفاقٌ يُعلن وقفًا كاملًا للقتال ويفتح مسارًا متدرجًا لدمج القوات والهياكل الإدارية، وسط ترحيب إقليمى ودولى، وحذر داخلى فرضته تجارب سابقة انتهت بالخرق والتعطيل. وبين التفاؤل المشروط والشك المشروع، تقف أسئلة التنفيذ والضمانات فى قلب التحقيق.
من العاصمة دمشق، أعلنت مصادر حكومية التوصل إلى تفاهم ينص على انسحاب القوات العسكرية من خطوط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزى الحسكة والقامشلى، بما يعيد سلطة الدولة إلى مفاصل أمنية حساسة. ويشمل الاتفاق دمجًا تدريجيًا للقوات، عبر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من «قسد» ولواء من قوات كوبانى ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، على أن تخضع بكاملها لسلطة وزارة الدفاع.
ضمن بنود الاتفاق، يأتى دمج مؤسسات الإدارة الذاتية فى مؤسسات الدولة مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردى، وضمان عودة النازحين. هدفٌ مُعلن يتمثل فى توحيد الأراضى وإنفاذ القانون، وفتح صفحة اندماج كامل يُنهى حالة الانقسام ويؤسس لاستقرار طويل الأمد فى منطقة عانت فراغات أمنية وصراعات نفوذ.
لكن الاتفاق ليس الأول من نوعه؛ فسوابق التفاهمات بين الطرفين انتهت مرارًا إلى الانهيار. هنا يبرز عاملان جديدان: تغيرات عسكرية على الأرض، وضغوط أميركية مباشرة دفعت نحو تسوية تُجنب المنطقة مواجهة واسعة. ويرى مراقبون أن خسارة «قسد» مواقع استراتيجية وحقول طاقة، إلى جانب هواجس واشنطن من انفلات أمنى يطال المدنيين الأكراد، شكّلا معًا بيئة مختلفة عن الماضى.
ويقول المستشار محمد حسين الهوارى، الخبير بالقضايا الدولية والنائب بالاتحاد العربى الإفريقى، إن الاتفاق يعكس ميزان قوى مستجدًا، حيث بات خيار الاندماج أقل كلفة من الاستمرار فى الصدام، مضيفًا أن «النجاح مرهون بآليات تنفيذ واضحة وجدول زمنى مُلزم، وضمانات تتعلق بالمعابر والموارد». ويؤكد الهوارى أن إدارة الدولة للمعابر الحدودية، وعلى رأسها سيمالكا، ستكون اختبارًا حاسمًا لجدية الترتيبات الجديدة.
فى السياق نفسه، يرى المحلل السياسى طارق الهوارى أن «التفاهم يحمل فرصة واقعية إذا اقترن برقابة مركزية وتوافق دولى»، لافتًا إلى أن «دمج المقاتلين كأفراد داخل ألوية نظامية يقلل احتمالات الازدواج الأمنى. ويضيف أن تسوية الحقوق المدنية والتربوية خطوة ضرورية لبناء ثقة مجتمعية، لكنها تحتاج تشريعات تنفيذية تضمن الاستدامة.
دوليًا، وُصف الاتفاق بنقطة تحول محتملة، مع تأكيدات أميركية على الشمول والاحترام المتبادل، وترحيب سعودى وفرنسي. وتراهن العواصم المعنية على أن الدمج التدريجى للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية سيعيد بناء المؤسسات ويجذب استثمارات إعادة الإعمار، فيما تبقى المخاوف من تحديات التطبيق، خاصة فى مناطق تضم منشآت حساسة وملفات معتقلين.
إقليميًا، يكتسب الاتفاق أهمية مضاعفة فى ظل تعهد القيادة السورية بإخضاع كامل الأراضى لسيطرة الدولة، بعد سيطرة سريعة على محافظات ذات أغلبية عربية وموارد حيوية. غير أن مقاومة سابقة من السلطات الكردية للاندماج، وتأخر تنفيذ مهل سابقة، يفرضان متابعة دقيقة لمسار التنفيذ.
خلاصة القول إن اتفاق دمشق وقسد يقف عند مفترق طرق: إما ترجمة البنود إلى واقع أمنى وإدارى منضبط يعالج جذور الأزمة ويحمى الحقوق، أو العودة إلى دوامة الخروقات. وبين هذا وذاك، يبقى عامل الزمن والضمانات هو الحكم، فيما تترقب المنطقة اختبارًا جديدًا لقدرة السياسة على إنهاء صراع طال أمده.

سلام مؤجل على خطوط النار
كتب ضاحى عمار

