شهر رفع التقرير السري السنوي إلي الله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الحكمة الأولى من صيام الرسول صلي الله عليه وسلم شهر شعبان هو أنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالي، فالنبى صلى الله عليه وسلم يحرص وقت رفع العمل أن يكون في أحسن حال مع الله، إذ تأتي الملائكة فتجده صائما قائما، فإذا كان الواحد منا يستحى أن يراه ولى أمره أو رئيسه أو مديره وهو على معصية أو في وضع غير لائق، فمن باب أولى أن يكون في أتقى وأنقى وأصفى حال مع الله، ولا سيما حين رفع التقرير السري السنوي إليه سبحانه وتعالى، ورفع الأعمال إلى رب العالمين على ثلاثة أنواع، رفع يومي ورفع أسبوعي ورفع سنوي، فالنوع الأول هو أن ترفع الأعمال إلى الله تعالى رفعا عاما كل يوم أي رفعا يوميا، فيرفع إليه عمل النهار في أول الليل وذلك في صلاة العصر، ويرفع إليه عمل الليل في أول النهار وذلك في صلاة الفجر.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على هاتين الصلاتين لأن عمل اليوم يرفع فيهما إلي الله تعالى، والنوع الثاني وهو رفع الأعمال إلى الله تعالى يومي الاثنين والخميس أي رفعا أسبوعيا، وهذا عرض خاص غير العرض العام كل يوم، فترفع أعمال الأسبوع في يومي الاثنين والخميس، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصوم الاثنين والخميس لأن الأعمال ترفع فيهما، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس، فقيل له أي سُئل عن ذلك، قال ” إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس فيُغفر لكل مسلم، أو لكل مؤمن، إلا المتهاجرين، فيقول أخّرهما” وعند الترمذي بلفظ ” تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم” وكان إبراهيم النخعي يبكى على امرأته يوم الخميس وتبكي إليه.
ويقول اليوم تُعرض أعمالنا على الله عز وجل، وأما عن النوع الثالث وهو رفع الأعمال إلى الله تعالى في شعبان أي رفعا سنويا، فترفع أعمال السنة في شهر شعبان، ولكن لم خص شهر شعبان برفع الأعمال مع أنه ليس نهاية العام الهجرى؟ أقول إذا كان العام الهجري ينتهى في ذى الحجة، والعام الميلادي ينتهي في ديسمبر، والعام المالى ينتهى فى يونية، فإن العام التشريعى عند الله ينتهى في شعبان، لأنه بدأ في رمضان حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء وجاءه جبريل وأقرأه، وكان ذلك في رمضان، فشهر شعبان نهاية العام التشريعى، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على صيامه لأن عمله يرفع فيه إلى الله، ورفع الأعمال إلى الله تعالى مع كونه صائما أدعى إلى القبول عند الله تعالى، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على ذلك.
وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحري بنا ونحن أكلتنا الذنوب أن نتأسى بنبينا صلى الله عليه وسلم بالمسارعة إلى ذلك وأن نكون على أتقى قلب رجل واحد، وكما أن الحكمة الأولى من صيام الرسول صلي الله عليه وسلم شهر شعبان هو أن شهر شعبان مقدمة وتمرين وتمهيد لرمضان، فصيام شعبان كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط، ولذلك نزل القرآن والأوامر والنواهي تدريجيا حتى لا توجد على الناس مشقة، ولذلك فإن الشخص الذي لم يصم ولا يوما من رمضان حتى رمضان الثاني، فإن خبر رؤية هلال رمضان يكون عليه كالصاعقة، وكأنه كلف بنقل جبل وما هو بناقله، ولننزل إلى أرض الوقع قليلا.
لنضرب لكم مثالا ثم نعود إليكم لو أن أحدكم لديه ماكينة أو آلة واحتاجت إلى صيانة كاملة وأوصاه المهندس أن يشغلها تدريجيا يعنى عملية تليين ثم شغلها عشر ساعات متتاليات فإنها ستكسر فورا، فكذلك حال الصيام لابد فيه من التدرج والتمرين، ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرءوها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان، وقال سلمة بن كهيل كان يقال شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
شهر رفع التقرير السري السنوي إلي الله


