عودة المسيح عليه السلام إلى فلسطين… ومولد يحيى بن زكريا
حين دخلت الأرض المقدسة مرحلة الغليان الأخير قبل سقوط الهيبة القديمة
سلسلة التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
أو بدعاء شيخ عجوز، أو بطفل يولد في زمن فقد فيه الناس يقينهم بالحقيقة. وفي فلسطين القديمة،
بعد سنوات الخوف والاضطراب التي أحاطت بمولد المسيح عليه السلام،
لم تكن الأرض قد هدأت كما ظن البعض. بل كانت تدخل أخطر مراحلها على الإطلاق.
فالسلطة الرومانية تُحكم قبضتها على الناس، والأحبار يتصارعون على النفوذ
والمجتمع يعيش حالة انتظار وخوف وانقسام لم يشهد مثلها منذ قرون.
وفي وسط هذا العالم المضطرب ،
ظهر اسمان سيغيران مسار التاريخ الديني كله ،يحيى وعيسى عليهما السلام ،
واحد جاء ممهدًا للطريق ،
والآخر جاء ليهز البنية الدينية والسياسية التي تراكمت عبر الزمن.
وكأن فلسطين في تلك اللحظة لم تكن تستقبل مجرد أنبياء ، بل كانت تستقبل مواجهة كبرى بين الحقيقة والسلطة والنفوذ المغلق باسم الدين.
زكريا عليه السلام ، حين بدأ الأمل من قلب الشيخوخة ،
قبل عودة المسيح عليه السلام للظهور بين الناس،
كان هناك نبي آخر يعيش لحظة إنسانية عميقة داخل المجتمع اليهودي المضطرب،
إنه زكريا. رجل تقدمت به السن،
ورأى بأم عينيه كيف أصبح المجتمع غارقًا في الخلافات والفساد الديني والانقسام الروحي.
لكن وسط هذا العالم المتعب،
لم يفقد الأمل في رحمة الله.
ويصور القرآن الكريم هذه اللحظة المؤثرة بدقة عظيمة،
حين دعا زكريا ربه سرًا طالبًا ولدًا صالحًا يرث الرسالة والإيمان ،
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾
ورغم كبر سنه وعقم زوجته،
جاءت المعجزة الإلهية بولادة يحيى.
ولم يكن مولد يحيى حدثًا عائليًا فقط ، بل كان إشارة إلى أن مرحلة جديدة بدأت تقترب.
فالقرآن الكريم يصفه بأنه ،
﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
وكأن السماء كانت تهيئ الأرض لاستقبال مواجهة كبرى قادمة.
عودة المسيح عليه السلام حين بدأ الصدام الحقيقي بعد مرحلة الابتعاد والخوف التي صاحبت مولده،
عاد المسيح عليه السلام للظهور داخل فلسطين، لكن عودته لم تكن عودة رجل يبحث عن سلطة أو عرش.
بل عاد برسالة تعيد مواجهة المجتمع مع نفسه.جاء يدعو إلى الرحمة وتطهير القلوب ومواجهة النفاق والعودة إلى جوهر الدين بعيدًا عن التلاعب والنفوذ
وهنا بدأ الصدام الحقيقي.
لأن أخطر ما يواجه المجتمعات أحيانًا ليس الاحتلال الخارجي فقط،
بل تحوّل الدين نفسه إلى أداة سلطة ونفوذ.
يحيى والمسيح تحالف الرسالة في زمن الفتنة
تُظهر الروايات الدينية والتاريخية أن يحيى عليه السلام كان من أقرب الناس إلى المسيح عليه السلام في الدعوة والإصلاح.
وكان الاثنان يواجهان مجتمعًا يعيش حالة انهيار أخلاقي وروحي عميق،
رغم المظاهر الدينية المنتشرة.
ويذكر القرآن الكريم أن يحيى أوتي الحكمة منذ الصغر ،
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾
أما المسيح عليه السلام،
فقد جاء بالمعجزات والدعوة إلى الإصلاح والرحمة وإحياء القلوب.
لكن الرسالتين اصطدمتا سريعًا بجدار النفوذ الديني والسياسي.
فالأحبار خافوا من اهتزاز سلطتهم الروحية، والسلطة الرومانية خافت من أي تجمع جماهيري قد يتحول إلى اضطراب سياسي،
أما الناس ، فانقسموا بين مؤمن ومشكك وخائف ومنتظر للخلاص بأي صورة.
لماذا خافت النخب الدينية من الدعوة الجديدة؟
المشكلة لم تكن في المعجزات وحدها،
بل في الرسالة التي حملها الأنبياء.
فالمسيح عليه السلام لم يأتِ ليؤسس إمبراطورية، بل ليواجه فساد القلوب وتحريف المعاني الدينية واستغلال الناس باسم الدين المقدس.
وهنا بدأت الأزمة الكبرى.
لأن أي دعوة تعيد الدين إلى جوهره الحقيقي ، تهدد دائمًا أولئك الذين بنوا نفوذهم على احتكار التفسير والسلطة.
ولهذا تحول الجدل حول المسيح ويحيى عليهما السلام إلى قضية سياسية ودينية معقدة للغاية.
ماذا يقول المؤرخون؟
يرى عدد من المؤرخين أن فلسطين في تلك المرحلة كانت تعيش واحدة من أكثر فتراتها اضطرابًا.
فالاحتلال الروماني فرض واقعًا قاسيًا،
ضرائب وقمع سياسي ومراقبة دائمة
وتحالفات مع بعض النخب المحلية لضبط المجتمع ،
وفي المقابل، كانت الجماعات الدينية تنتظر المخلّص الذي يعيد القوة والهيبة لبني إسرائيل.
لكن المسيح عليه السلام جاء بخطاب مختلف تمامًا عن التصور السياسي المنتظر. ولهذا يرى بعض الباحثين أن الصدام معه لم يكن دينيًا فقط،
بل صدامًا بين مشروع إصلاح روحي
ومنظومة نفوذ ديني وسياسي متشابكة
ماذا قال عبد الوهاب المسيري؟
المفكر عبد الوهاب المسيري تناول هذه المرحلة باعتبارها لحظة أزمة هوية عميقة داخل المجتمع اليهودي تحت الحكم الروماني.
ويرى المسيري أن كثيرًا من الجماعات كانت تنتظر المخلّص بوصفه قائدًا سياسيًا يعيد المُلك والسيادة،
بينما جاءت رسالة المسيح عليه السلام مختلفة جذريًا،
إذ ركزت على الإنسان نفسه وإصلاحه الداخلي ، ولهذا حدث التصادم.
فبعض النخب لم تكن تبحث عن الحقيقة بقدر ما كانت تبحث عن استعادة النفوذ والقوة.
ويشير المسيري أيضًا إلى أن تحالف الدين بالسلطة عبر التاريخ يجعل أي دعوة إصلاحية تبدو تهديدًا خطيرًا،
خصوصًا حين تكتسب تأثيرًا شعبيًا واسعًا.
مقتل يحيى عليه السلام ، بداية الانفجار الكبير .
تذكر الروايات الإسلامية والتاريخية أن يحيى قُتل ظلمًا بعد موقفه الرافض للفساد والانحراف الأخلاقي داخل السلطة.
وهنا دخلت فلسطين مرحلة أشد خطورة.
فلم يعد الأمر مجرد خلاف فكري أو ديني ، بل تحولت المواجهة إلى صدام مفتوح بين الرسالة والسلطة.
وكأن الدم الذي سقط يومها ،
كان إعلانًا بأن الأرض المقدسة تقترب من واحدة من أعنف لحظاتها التاريخية.
لم تكن عودة المسيح عليه السلام إلى فلسطين مجرد عودة نبي إلى قومه ،
بل كانت بداية مواجهة كبرى بين الحقيقة والنفوذ والخوف المتراكم عبر القرون ،شيخ يدعو الله فيرزق بيحيى، ونبي يعود برسالة تهز القلوب،
وأرض تنتظر الخلاص بينما تغرق في الانقسام ، وسلطة تخشى حتى الكلمات التي توقظ الناس من خوفهم الطويل.
ومن هنا بدأت المرحلة الأخطر.
مرحلة لم يعد السؤال فيها:
من يحكم الأرض؟
بل من يملك تفسير الحقيقة نفسها؟
ولهذا لم تكن قصة يحيى والمسيح عليهما السلام مجرد أحداث دينية معزولة ، بل فصلًا عظيمًا من صراع الإنسان مع السلطة حين تختلط بالمقدس،
وما زالت أصداء ذلك الصراع ممتدة في التاريخ حتى اليوم.
انتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.
عرض أقل

