فتح معبر رفح يعيد طرح سؤال القيادة ومستقبل القرار في قطاع غزة
عبده الشربيني حمام
أعاد إعادة فتح معبر رفح، ولو بصورة جزئية أو ضمن ترتيبات وقتية، تسليط الضوء على تحوّل لافت في المزاج العام داخل قطاع غزة، حيث بات المعبر يُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من السكان بوصفه أكثر من مجرد منفذ إنساني، بل رمزًا لاحتمال كسر أنماط إدارة سادت طيلة سنوات.
ولأكثر من عامين، تعرّض الفلسطينيون في قطاع غزة لواحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، إذ تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية في مقتل ما لا يقل عن 72 ألف فلسطيني، إضافة إلى نحو 171 ألف مصاب، وفق معطيات متداولة، إلى جانب دمار واسع طال البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية.
وفي أحاديث خاصة، يعبّر الغزيون عن أمل متزايد في أن تُدار حركة المعبر عبر آليات مدنية وإنسانية، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية والتنظيمية، معتبرين أن أي ترتيب لا تمرّ إدارته عبر حركة حماس قد يشكّل فرصة لإحداث تغيير، ولو محدود، في واقعهم اليومي الذي يزداد قسوة مع استمرار الأزمة الإنسانية وتعطّل مسار إعادة الإعمار.
ويأتي هذا المزاج في سياق أوسع من التباعد المتراكم، على مدى أشهر، بين سكان القطاع وقيادة الحركة، في ظل انهيار شبه كامل في مقومات الحياة، وتعثر متواصل في مسارات التهدئة والمفاوضات.
وبالنسبة لكثير من الغزيين، لم تعد النقاشات الكبرى حول الصراع مع إسرائيل أو التوازنات الإقليمية قادرة على حجب أولوية النجاة اليومية، وتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، لا سيما للأطفال.
وتشير متابعات ميدانية إلى أن حالة الاستقطاب العلني حول تأييد أو معارضة حركة حماس، والتي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، لا تعكس بالضرورة طبيعة النقاش الحقيقي داخل القطاع، إذ يفضّل كثيرون التعبير عن مواقفهم في دوائر ضيقة، بعيدًا عن العلن، في ظل الخوف من الوصم أو من تبعات أمنية واجتماعية.
وتُظهر شهادات متداولة من سكان غزة تباينًا واضحًا في تقييم دور الحركة منذ اندلاع الحرب؛ فبينما لا يزال البعض يرى في حماس إطارًا للمقاومة في مواجهة الاحتلال، يحمّل آخرون الحركة مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن تعميق الكارثة الإنسانية، سواء من خلال قرار السابع من أكتوبر، أو عبر إدارة المرحلة اللاحقة للحرب.
وبحسب المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة، فإن المفاوضات الجارية بين حركة حماس والوسطاء تعمّق الشعور لدى السكان بأنهم باتوا خارج معادلة اتخاذ القرار، وأن مصيرهم يُدار من الأعلى، من دون مشاركة فعلية أو آليات مساءلة واضحة.
ويرى سوالمة أن أي مسار إنساني يُدار عبر قنوات غير فصائلية، مثل إدارة مدنية لمعبر رفح أو إشراف دولي محدود، يُنظر إليه من قبل شريحة من الغزيين باعتباره فرصة لتخفيف هذا الإحساس بالتهميش، حتى وإن لم يرقَ إلى مستوى حل سياسي شامل.
ويضيف أن تعمّق هذا الشعور بالاغتراب لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية، بل يتغذى من واقع يومي قاسٍ يشمل النزوح المتكرر، وانعدام الأمن الغذائي، وتآكل البنية الاجتماعية، وغياب الأفق. ففي مثل هذه الظروف، يصبح البحث عن أي نافذة للخروج أو التخفيف أولوية تتقدّم على الولاءات الأيديولوجية أو الحسابات التنظيمية.
في المقابل، تؤكد حركة حماس في خطابها العلني أنها لا تزال تحظى بقاعدة شعبية، وأنها أظهرت مرونة في المفاوضات، محمّلة إسرائيل والمجتمع الدولي مسؤولية استمرار الحرب وتعطيل مسار التهدئة. غير أن هذا الخطاب، بحسب متابعين، لم يعد كافيًا لاحتواء حالة الإرهاق الجماعي التي يعيشها القطاع، ولا لمعالجة التصدعات المتزايدة في العلاقة بين الحركة والشارع الغزّي.
ومع بقاء معبر رفح ورقة مركزية في أي ترتيبات إنسانية أو سياسية مقبلة، يبدو أن النقاش حول إدارته يتجاوز البعد التقني، ليعكس سؤالًا أعمق حول من يملك القرار في غزة، وكيف يمكن إعادة بناء حدٍّ أدنى من الثقة بين السكان وأي جهة تتولى إدارة شؤونهم في مرحلة ما بعد الحرب.

