فرحةٌ ينقصها فرح!
بقلم: نعمة حسن
حين يتسلل الحنين إلى ردهات الذاكرة، ويطرق أبواب جيل الستينات والسبعينات والثمانينات، تطلّ من خلف الستائر وجوهٌ ألِفناها، وأصواتٌ عمّرت البيوت بالدفء والسكينة. كان الزمان غير الزمان، وكانت الفرحة طائرًا حرًا يحلّق فوق الأسطح ويسكن الحواري، قبل أن تُسجن اليوم خلف أبوابٍ موصدة، أو تنطلق في فضاءاتٍ “مفتوحة” مقلّدة، تارةً بداعي التكلّف الفخم، وتاراتٍ بخوفٍ يسكن النفوس من “حسدٍ” وعينٍ تترصد.
زمان.. كانت للبيوت “مرجعية” ومهابة؛ كان “الكبير” بمثابة العمود الذي يستند إليه السقف، إذا دخل بيتًا عمره بالبركة والدفا، يوجّه بحكمة الشيوخ، ويستمع إليه الصغير بأدب المريد. لم تكن الفرحة ملكًا لصاحب البيت وحده، بل كانت إعلانًا دستوريًا في الحيّ كله. بيت العروس هو المنارة؛ يُعلّق النور على جدرانه، فيستحيل الشارع بأكمله لوحةً مضيئة. كل عمود إنارة يحمل لمبة، وكل جارةٍ تحمل في قلبها دورًا، فهذه تعجن، وتلك تخبز، والأخرى تفرش الحصير؛ في ملحمة تكافلٍ بشري لم تكتبها سطور الكتب، بل سطّرتها دقات القلوب.
كان الميكروفون المنصوب في منتصف الحارة أبعد ما يكون عن مجرد آلة صماء، كان “روح الحيّ” ولسانه الناطق. لم يكن الصوت يقتصر على بضع دقائق لـ “زفة العروسين”، بل كان يدوّي لأيام ببهجةٍ تطال العابر والغريب. تنطلق ليلى نظمي وهي تشدو “جاب لك يا صبية”، وتجيبها عايدة الشاعر بصوتها الرخيم “العروسة للعريس”، وقبل هذا وذاك النداء الأنثوي الخالد “متزوقيني يا ماما”.. كانت الأغاني آنذاك بمثابة الوشم المحفور في ذاكرة الروح، ذكرى لا تُمحى كخاتمٍ ذهبي صُهر بصدق العاطفة.
اليوم.. اختلف المشهد تمامًا. تحوّل الفرح من “حالة إنسانية” إلى “مشروع استثماري” (Project)؛ فخم الإخراج، باذخ النفقات، ولكن—واأسفاه—بلا روح. حتى أننا صرنا نرى الأفراح تُقام في وضح النهار في الهواء الطلق (Open Air)، لا لشيء إلا جرياً وراء “موضة” الغرب وتقليداً أعمى لثقافتهم. نسينا أن شمسنا الحارقة ليست كشمسهم، وأن بهجة ليلنا الشرقي بقمَره وسهره لها سحر لا تعوضه أضواء النهار الباهتة. تحول الأمر من عفوية تجمع الأهل، إلى استعراضٍ نهارى متكلّف يبحث عن لقطة “تريند” على منصات التواصل.
يجلس المدعوون في قاعاتٍ مغلقة أو ساحاتٍ مفتوحة مستعارة، وجوهٌ كثيرة لا تعرف بعضها، وابتسامات “بلاستيكية” تُصنع لأجل عدسات المصورين لا لأجل القلوب. أصبحت الأغاني صاخبة تُصمّ الآذان بمهرجاناتٍ وعوالم افتراضية، ترفع منسوب الضجيج دون أن تحرك ساكنًا في المشاعر، وكأنها خُلقت للحظة استعراضية واحدة على المسرح، ثم تتبخر.
لقد غابت المرجعية حين ظنّ الشباب أنهم قادرون على السير بمفردهم دون بوصلة الأهل، فتاهت الخطى، وغاب الدفء، وحين غاب الدفء.. ضاع الطريق.
ميزان الزمانين:
زمان: فرحةٌ بسيطة تمتد جذورها لتصنع ذكرى لا تُنسى.
اليوم: فخامةٌ مفرطة وأفراح نهارية مستوردة، تتحول إلى “صورة” تنتهي صلاحيتها وتُنسى بعد أيام.
زمان: ميكروفون الحارة يدوّي بالحب ويلُم الشمل تحت ستر الليل ودفئه.
اليوم: ساحات مفتوحة في هجير النهار، وسماعاتٌ عملاقة تصم الآذان.. والقلوب صامتة مستوحشة.
زمان: اللمّة هي الحياة، والكل أهل.
اليوم: الغرباء يملؤون المقاعد، والأحباب في زوايا النسيان.
يا معشر الشباب.. رفقًا بآبائكم وأمهاتكم، لا تكلفوهم فوق طاقتهم من أجل ليلةٍ عابرة بين الجدران أو في الهواء الطلق. الفرح الحقيقي لا يُشترى بجدران القاعات الفارهة ولا بمظاهر البذخ والتقليد الزائف؛ الفرح يكمن في “اللمّة”، في تلك الوجوه الطيبة التي سيمرّ بكم العمر وتتمنون—ولو للحظة واحدة—أن يعود بكم الزمن لتسمعوا نبرة صوتها، أو تملؤوا أعينكم من ملامحها الطاهرة قبل أن يغيبها الموت.
وثّقوا صور فرحكم وبينكم “الكبار”؛ ليس لكي تُعلّق الصور على الحوائط صماء، بل لتكون نحتًا مقدسًا في وجدانكم. رجّعوا طقوس زمان، حتى كارت الدعوة ببساطة كلماته التي كانت تهز الخواطر بعبارتها الخالدة:
“والعاقبة عندكم في المسرات”
افرحوا.. ولكن بقلوبٍ مفتوحة، واصنعوا الفرحة ولا تستهلكوها في تقليد غيركم.. فرحوا أنفسكم، وافتحوا الأبواب للناس وللفرحة من القلب .
اسعد ربي جميع ايامكم باحبابكم .
مع تحياتي ..
نعمة حسن .

