بقلم محمد جابر
الممر مئة وعشرون
في الممر لا تقال الكلمات كما هي بل تختبر ولا تمر الأفكار مرور العابرين بل تمحص وتفكك وتعاد إلى أصلها
الممر ليس طريق ملتوي بل مساحة كاشفة تسقط فيها الأقنعة وتمتحن القناعات قبل أن تكتمل ملامحهاوتنفضح فيها الادعاءات قبل أن تستقر في العقول
لا سلطة هنا لصوت مرتفع ولا حصانة لعباءة حكمة
ولا قداسة لاسم بلا تمحيص يفصل الكلام وتوزن المعاني وتترك كل فكرة لتواجه حقيقتها
وفي هذا الممر تتجرد الوجوه من زينتها وتزيغ الأعين عن زخارف مصطنعه وتنحسر الكلمات عن زيفها فتبدو العقول كما هي أما واعية تقاوم أو مستسلمة يعاد العبث بها
ومن هنا يبدأ الممر حكاية هرطقة لا تفرض بقوة أصحابها بل بضعف من يتلقونها وعقول تعتلي ساحات التضليل لا لأنها الأجدر بل لأنها وجدت من يصدقها
في الممرات المظلمة لا يعلو شيء كصوت اللغط حيث تتزاحم الكلمات حتى تفقد معناها وتلمع العبارات لتخدع الأبصار وتتقدم وجوه تتلفح بعباءات الحكمة والوقار فتبدو كأنها حارسة للضمير
بينما يكشف الممر أنها لا تقدم سوى قول مموه وزيف مصوغ بعناية يستميل السامعين ويخدع البسطاء
وفي هذا المناخ تتناسل أمية من نوع آخر ليست أمية القراءة بل أمية الوعي حيث يظهر من يحمل الكلمات دون أن يدرك معانيها ومن لم يقتربوا من المعرفة يرتدون رداءها في مشهد يعكس خلل عميق داخل بنية المعتقد وزحزحة هويته
وفجأة يرتفع صوت منمق مرتب يخلط الدين بالفكرة والوعظ بالسلطة والإيمان بالدجل فيلتف حوله من لا يسألون ومن لا يملكون إلا التصديق والتصفيق
وهنا تتجلى الحقيقة أن المشكلة لم تكن في من أُتيح لهم اعتلاء الصدارة بل في العقول التي أمنت دون أن تسأل
وفي هذا الممر لا تحتاج الهيمنة إلى قوة بقدر ما تحتاج العقول المدربة على التسليم كما لا تحتاج التجمعات إلى منطق بقدر ما تحتاج إلى فراغ يتسع لها فتتشكل ادعاءات مؤدلجة بشعارات فقدت معناها أعدت لا لتبني وعي بل لطمسه
وقد اعتادت الممرات كشف هذه النماذج ممن يتصدرون باسم الدين وهم أبعد عنه أو باسم الثقافة وهم أفقر أهلها أو باسم الأخلاق وهي منهم براء حيث لا يقدمون سوى خطاب معتم ملتوي يزرع الشك في القلوب قبل العقول ولا يكتفي بصناعة الانقسام بل يغذي الوهم ويعيد تشكيل الوعي على مقاس الزيف والهري فأصبحت هطرقة متادوله
وهنا يظهر شيوخ الظلام لا كأشخاص بل كحالة ممتدة تستبدل القيم بمعانٍ مشوهة وتستبدل نور العقل بضباب التلقين وحين يجرم السؤال يولد الطغيان لا بقوته بل بصمت العقول
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يربك العقول فحسب بل يصنع رموز بشرية يحيطها بهالة تحميها من النقد ومع الوقت تتحول إلى مناطق محرمة يصبح الاقتراب منها جريمة ويغدو التفكير تهمة فينقلب المشهد ويتهم العقل بالجنون ويدان الشرفا
وهنا لا يكون الصنم حجر بل فكرة لا تختبر ويصبح الشخص لا يسأل كأن المعرفة ملك له وكأن العصمة ألبست له فتضيع المعايير ويختلط الحق بالادعاء وتتحول الكلمات إلى أدوات تخفي هشاشة قائلها أكثر مما تثبت قوته
والممرات التي تسمح بولادة هذه الرموز المزيفة تمهد لانطفاء العقل فحين يحاصر الرد ويقمع التفكير لا ينتصر الظلام لأنه أقوى بل لأن النور ترك مكانه فارغا فتتحول التجمعات إلى مصانع تصنع الأصنام ثم تخضع له فيتحكم من لا يفقه بمن لا يدرك
ومن هنا يصبح فصل الكلام ضرورة تعيد للأشياء أسماءها وتنزع القداسة الزائفة عن وجوه اعتادت الاحتماء بها فالممرات لا تنهض بالهري ولا بالخطابات المنحرفة بل بنور المعرفة تتسلل بهدوء وبعقل قادر على التمييز بين الحقيقة والاستغلال
وهكذا يبقى الممر شاهد لا يضل ولا يغفل يرى ما كان ويترقب ما سيكون فكما سقطت أصنام من قبل ستسقط كل الرموز المصنوعة من الوهم
وسيأتي الصوت حين تفيق العقول وتعود الرؤية
وتنكشف الوجوه وتسقط الأصنامل لا بتحطيمها بل بانكشافها


