قراءةٌ تحليليةٌ في ملفِّ الحياةِ الزوجيَّة
بقلم الكاتب والأديب/ سامي محمود
في البدءِ لم يكنِ الزواجُ ورقةً تُوقَّع، ولا صورةً تُلتقط، ولا مظهرًا يُتباهى به أمام العيون، بل كان ميثاقًا غليظًا، كما سمَّاه القرآنُ الكريمُ في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 21).
وكان عهدًا تُصافح فيه الأرواحُ الأرواحَ قبل أن تتعانق الأيدي، وتلتقي فيه القلوبُ على تقوى من الله ورضوان.
الزواجُ في حقيقته سكنٌ، والسكنُ ليس جدرانًا، بل طمأنينة.
وليس أثاثًا، بل أمان.
وليس ضحكةً عابرة، بل استقرارًا عميقًا يرسو في القلب رسوَّ الجبال.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21).
السكن قبل العاطفة والمودة قبل المصلحة والرحمة قبل المحاسبة
فتأمَّلوا الترتيب الإلهي: سكنٌ، ثم مودةٌ، ثم رحمة.
كأنَّ الحياةَ الزوجيةَ لا تُبنى على نارِ العاطفةِ وحدها، بل على دفءِ الرحمةِ حين تخبو جذوةُ الانفعال.
كان الفتى والفتاةُ قديمًا يتخرَّجان من جامعةٍ لا لافتةَ لها، ولكن لها هيبةُ الأخلاق، جامعةِ الأسرة.
هناك، كانت الأمُّ مدرسةً، وكان الأبُ قدوةً، وكان البيتُ محرابًا للتربية.
لم تكن الزوجةُ تحمل شهادةً عليا، ولكنها كانت تحمل شهادةَ الفطرةِ السليمةِ، والعقلِ الراجحِ، والقلبِ الرحيم.
كانت تُدير بيتها بحكمةٍ تُدهش خبراء الاقتصاد، وتُربِّي أبناءها على القيم كما يُربَّى الزهرُ على قطرات الندى.
وقد قال الإمامُ الغزاليُّ رحمه الله: “الولدُ أمانةٌ عند والديه، وقلبُه الطاهرُ جوهرةٌ نفيسة، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِد في الدنيا والآخرة”.
فالتربيةُ عنده عبادةٌ، وليست عادة.
وكان الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ يرى أنَّ حسنَ العشرةِ من تمامِ الدِّين، مستدلًّا بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي» (رواه الترمذي).
فالخيريةُ لا تُقاسُ بطولِ اللحيةِ ولا بعلوِّ الصوت، بل بحسنِ المعاملةِ داخلَ البيت.
وكان شيخُ الأزهرِ الإمامُ محمود شلتوت يؤكِّد أنَّ الأسرةَ هي النواةُ الأولى لبناء المجتمع، وأنَّ أيَّ خللٍ في داخلها ينعكسُ اضطرابًا في خارجه، لأنَّ البيتَ هو المصنعُ الأولُ للقيم.
أما علماءُ الزهدِ والتصوف، فقد نظروا إلى الزواجِ نظرةَ سكينةٍ ورحمة.
قال سيدي أحمد الرفاعي: “الزوجانِ رفيقانِ في طريقِ الآخرة، لا خصمانِ في ساحةِ الدنيا”.
وقال الإمامُ الجنيد: “من تمامِ المحبةِ أن ترى عيبَ أخيك فتسترَه، وأن ترى نقصَه فتُكمِلَه”.
فكيف إذا كان هذا الأخُ شريكَ العمرِ ورفيقَ الدرب؟
وكانوا يرون أنَّ الغضبَ نارٌ، وأنَّ البيتَ إن اشتعلت فيه نارُ الغضبِ احترقت فيه المودة.
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِه منها خُلُقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم).
وهو درسٌ عظيمٌ في فقهِ التوازنِ النفسي، إذ لا كمالَ لبشر، ولا صفاءَ دائمًا لطباع.
إنَّ علماءَ النفسِ اليومَ يتحدثون عن “الذكاءِ العاطفيِّ” بوصفه القدرةَ على إدارةِ الانفعالات، وضبطِ ردودِ الفعل، وفهمِ مشاعرِ الآخر.
وهذا المعنى قد لُخِّص في وصيةٍ نبويةٍ جامعة: «لا تغضب» (رواه البخاري).
فالغضبُ لحظةٌ، ولكن أثرَه قد يمتدُّ عمرًا كاملًا.
وكانت البيوتُ قديمًا تعرفُ الخلافَ، لكنها لا تعرفُ الفضيحة.
تعرفُ العتابَ، لكنها لا تعرفُ التشهير.
كانت الجدرانُ تحفظُ الأسرارَ؛ لأنهم وعَوا أنَّ من خيانةِ العهدِ نشرَ الخصوصيات.
قال الإمامُ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ: “ومن حسنِ العشرةِ كتمانُ ما يكونُ بين الزوجين مما لا يليقُ نشرُه”.
فحفظُ السرِّ شرفٌ، وصيانةُ البيتِ مروءة.
وكانت الأمُّ توصِي أبناءَها باحترامِ الأب، وتُذكِّرهم بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).
وكان الأبُ يُعظِّمُ الأمَّ أمام أولاده، امتثالًا لقولِه صلى الله عليه وسلم حين سُئل: «من أحقُّ الناسِ بحسنِ صحابتي؟ قال: أمُّك» (متفق عليه).
هكذا كانت الموازينُ معتدلةً، فلا تطغى سلطةٌ، ولا تُهدرُ كرامة.
بل كان الاحترامُ تاجَ العلاقة، والرحمةُ روحَها، والحوارُ لغتَها.
ثم تبدَّلَ الزمانُ، فارتفعت الشهاداتُ، وانخفضت القيم.
صار بعضُ الناسِ يحملُ علمًا في الأوراقِ، ولكنه يفتقرُ إلى فقهِ الحياة.
والفرقُ كبيرٌ بين من تعلَّم، ومن تخرَّج.
قال اللهُ تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
فالعلمُ الذي يرفعُ هو ما اقترنَ بالإيمان، لا ما انفصلَ عنه.
إنَّ كثيرًا من الأزماتِ الزوجيةِ اليومَ ليست فقرًا في المال، بل فقرًا في مهارةِ الحوار، وضعفًا في إدارةِ الخلاف.
ويؤكد علماءُ الاجتماعِ أنَّ الأسرةَ إذا افتقدتِ التواصلَ الإيجابيَّ، تآكلت من الداخل ولو بدتْ متماسكةً في الظاهر.
والإسلامُ سبقَ إلى تأصيلِ هذا المعنى حين قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19).
والمعروفُ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما تعارفَ الناسُ على حسنه شرعًا وعقلًا وخلقًا.
إنَّ إدارةَ الخلافِ ليست انتصارًا لأحدِ الطرفين، بل انتصارٌ للعلاقة.
وليست إسكاتًا للصوت، بل إصغاءٌ للقلب.
وليست قهرًا، بل تفاهم.
قال الإمامُ عليٌّ رضي الله عنه: “خيرُ الأزواجِ من إذا غضبتْ زوجتُهُ أرضاها”.
وقال بعضُ أهلِ السلوك: “البيتُ الذي يُبنى على التغافلِ يعيش، والذي يُبنى على التدقيقِ في الزلاتِ ينهار”.
فالزواجُ يحتاجُ إلى فهم،
والفهمُ يحتاجُ إلى علم،
والعلمُ يحتاجُ إلى مربٍّ،
والمربِّي يحتاجُ إلى منهجٍ قيميٍّ راسخٍ، منبثقٍ من القرآنِ والسنة، ومستضيءٍ بخبرةِ العلماءِ الربانيين.
نحنُ بحاجةٍ إلى إعادةِ تشكيلِ العقلِ الجمعيِّ، لا بالشعاراتِ الرنانة، بل ببناءِ الإنسان.
فبناءُ الساجدِ قبل بناءِ المساجد،
وبناءُ الدارسِ قبل بناءِ المدارس،
وبناءُ الساكنِ قبل بناءِ المساكن.
إنَّ الحبَّ ليس كلمةً تُقال، بل مسؤوليةٌ تُحمل.
وليس شغفًا عابرًا، بل التزامًا دائمًا.
فإذا اقترنَ الحبُّ بالتقوى، صار نورًا.
وإذا اقترنَ بالعلمِ، صار وعيًا.
وإذا اقترنَ بالرحمةِ، صار حياةً.
فاللهمَّ أعدْ لبيوتِنا سكينتَها،
وألبِسْ قلوبَنا رحمتَك،
واجعلْ مودَّتَنا طاعةً،
واختلافَنا فقهًا،
واجمعْ بيننا على خيرٍ في الدنيا والآخرة.
قراءةٌ تحليليةٌ في ملفِّ الحياةِ الزوجيَّة


