د٠ جمال مرسي – فارس كفر الشيخ ” ١٩٥٧ / ٢٠٢٦ م ” ٠
وَحِــيــداً عَــلَـــى شَــاطِـــئِ الأُمـنِــيَــاتِ
أُطِـــلُّ عَـلَــى وَطَــنِــي فِــــي الـشَّـتَــاتِ
.
و أَصبِـرُ صَـبـرِي عَـلَـى صَـيْـدِ حُــوتٍ
و عَـيْــنِــي تَـــــدُورُ بِــكُـــلِّ الــجِــهَــاتِ
.
أَرَى خَــلــفَ هَـــــذِي الـتُّــخُــومِ دِيَـــــاراً
تُــنَــادِي عَــلَــى أَهـلِـهَــا فِــــي ثَــبَــاتِ
.
تَقُـولُ اْرجِعُـوا لِــي ، و لا تَهجُـرُونِـي
فَــتُــزْهِــقَ رُوحِــــــي يَــــــدُ الـظُّــلُــمَــاتِ
( من مذكرات شاعر في الغربة )
٠٠٠٠٠
رحل عن عالمنا الإنسان و الشاعر الدكتور جمال مرسي في يوم الخميس الموافق 25 يونيو 2026 م ٠
عن عمر ناهز ٧٠ سبعين عاما ً ٠
و بعد رحلة عطاء علمي و شعري و أثره ينطق بيننا في نوبة خلود ٠
( أصداف البحر و لآلئ الروح )
كما أسس “قناديل الفكر والأدب” و هي منصة ثقافية وملتقى أدبي بارز يجمع نخبة من الشعراء والكتاب. يشتهر الملتقى بتنظيم الأمسيات الشعرية، واللقاءات الثقافية، والمنتديات التي تعزز الإبداع العربي و كان جسرا يجمع شتات الشعر و الشعراء في ربوع الوطن العربي و في المهجر .
[ هكذا عرفته ]
هكذا عرفت الشاعر د٠ جمال مرسي صاحب قناديل الفكر و الشعر !!
نعم مازال نهر الرحيل يقطف عمالقة الشعر في كفر المبدعين – كفر الشيخ – و من ثم لا يتوقف كل فترة ، و ليست بالبعيدة ، و من هنا يترجل فارس أصيل من صناديد الشعر لكن يبقى أثره يروي عنه حكايات من الفنون الجميلة ٠
و عندما كنت أتردد على جريدة كفر الشيخ الغراء في عهد المحافظ صبري القاضي و أبان أستاذنا فاروق أباظة رئيس التحرير و الكاتب الصحفي الكبير سليل الأسرة الأباظية ذات جذور الثقافة العميقة و في حضور المستشار الإعلامي للمحافظة الاستاذ محمد عامر الدرعمي و كان شاعرا فحلا ٠٠
و شرعت في سلسلة ( أعلام الشعر الحديث في كفر الشيخ ) و كنت أعد حلقات عن الشعراء و تجاذبنا الحديث عن شاعرية د٠ جمال مرسي و أعجبت به أيما إعجاب حقيقي فهو موسوعي مسكون بالعاطفة و الوطنية و مخزون الغربة و الفلسفة الجمالية و من ثم أعددت عنه دراسة و نشرت بالجريدة ، و أُخرى ضمن الكتاب٠٠
و قد وعدني القاضي بنشر هذا الكتاب عند الإنتهاء منه قبيل رحيله ٠
و من ثم توطدت علاقتي مع الراحل العزيز من خلال التواصل الاجتماعي ، و لا سيما بعد أن عرفت إنه شقيق صديقي و زميلي في الجامعة الشاعر طارق مرسي أبو مروان رئيس نادي أدب كفر الشيخ ٠
لقد ودعت كفر المبدعين كفر الشيخ د٠ جمال مرسي شقيق الشاعر طارق مرسي أبو مروان وجهان في ساحة الأدب و الثقافة لهما حضور جوهري في كافة اللقاءات من الدلتا و الصعيد حتى مرسى مطروح ٠٠
و د٠ جمال مرسي رمز و قامة و رائد من رواد الشعر المعاصر و أحد فرسان الشعر العربي الذين لهم بصمات فهو معلم للكثير من الشعراء و بحتضنهم و بقدمهم إلى حلبة الشعر بروح الأبوة الصادقة على أرض الواقع ٠٠
فقد عرفته منذ سنوات طوال إنسانا نبيلا و قلبا أبيضا محبا للناس لا يضمير أي كراهية داخله شفيف مثل خارجه ، و عاشق للكلمة الرائعة المؤثرة و الموجهة ذات رسالة خالدة ٠٠
و لِمَ لا وهو يحمل قنديلا يضيء درب الإبداع للحائرين في تلاقي ٠٠
و إنتاجه الغزيز بتنوعه يعبر عن ملامح تكوينه الراسخ في معية روح الأدب و الشعر ، و الذي يعكس صفاء سريرته ، فقد جمع فأوعى بين العلم و الأدب في ثنائية يشهد لها كل من يمتلك التذوق الأدبي و الفني ، كما يحس في عفوية بفيض شجون تسكنه و ظلال حانية نقطفه مع دماثة خُلقه ، و ذلك بداية من التواضع و الإصغاء ، و الذي يشمل الكل دون تفرقة ٠
فهو مشارك جيد و ملاحظ عن كثب في شتى المحافل و اللقاءات الأدبية و الثقافية لا يتأخر عن صديق و يعامل الصغير قبل الكبير في علاقة الند بالند لا ينكر فضلا قط ٠
و قد حصل على جائزة التميز في شعر الفصحى من اتحاد كتاب مصر ٠
* نشأته :
————
وُلد الشاعر المصري الدكتور جمال مرسي سنة 1957م بقرية دار السلام بكفر الشيخ جمهورية مصر العربية ٠
وحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية، و تفتحت عيناه على علوم العربية ٠٠
و التحق بمدرسة أحمد عرابي الإبتدائية، ثم انتقل بعدها إلى مدرسة الشهيد حمدي الإعدادية، ومن بعدها إلى مدرسة الشهيد رياض الثانوية العسكرية، والتي أخذ منها شهادة الثانوية العامة العام 1975م.
تخرج في كلية الطب البيطري، التي تخرجت منها عام 1980م.
من وحي الغربة :
وبعد مشروع التخرج و تأدية الخدمة العسكرية عشق السفر وسط العواصم التي فتحت له الآفاق بجانب الشعور الوطني الذي ساهم في كتابة الأوبريت و منحه الشدو و الغناء بين أفنان دوحة الشعر بأنواعه فصحى عمودي و تفعيلة حر و عامي جزل حس شعبي مؤثر ٠٠
و بداية مشواره مع السفر من نقطة عَمان الأردن، ومرورا ببعض الدول الأوربية، كهولند، والنمسا، وتركيا، ويوغوسلافيا، وانتهاءً بالمملكة العربية السعودية التي أقام فيها أكثر من سبعة عشر عاما مديرا لإحدى مؤسسات الأدوية.
* عضو عامل بنادي الأدب بقصر ثقافة كفر الشيخ ٠
– عضو اتحاد كتاب العرب ٠
أحد شعراء معجم البابطين و معجم الألف شاعر و أحد شعراء الموسوعة العالمية للشعر العربي ٠
= ترجمت له قصائد عدة للغة الإنجليزية و الفرنسية وله العديد من القصائد و القصص القصيرة المنشورة في الصحف و الدوريات الخليجية و المصرية ٠
كما أن أبيات من شعره قد جاءت في امتحان الثانية العامة بمصر عامي 2017 و 2018 م ٠
= وكذلك تم اختيار قصيدته ( الشهيد ) للتدريس بمناهج دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2020م .
*صدر له عدة دواوين:
( غربة )
( أصداف البحر و لآلئ الروح)
(أنهار لا تعرف الخوف )
( في كل اتجاه )
( على شرفة القمر ” ديوان مشترك مع عدد من الشعراء العرب ” )
( لآلئ ” ديوان مشترك مع عدد من الشعراء العرب “)
بالإضافة لديوان مخطوط بعنوان ريش مبعثر على خريطة الزمن
له تحت الطبع ديوان ( ما لم يقله البحر ) و ( على جناح أمنية شاردة ) و
( الأعمال الشعرية الكاملة ) ٠
و نلاحظ البعد الصوفي الراقي يتغلغل بين تجربته الشعرية المتدفقة و المتباينة في متوالياته التي تنقل لنا زوايا و معادلة فن الشعر بأغراضه يترنم بين ظلالها الحانية بمفرداته الجميلة ٠
و في قصيدة من الشعر العامي يكتبها بلغة بسيطة و صور و خيال متزاحم بين ظلال الحقيقة يكشف لنا أسرار رحلته الشعرية مع بحر الحياة بعنوان ( على ضفاف الحروف فارد قلوعي ) :
يا شاعر قول و لا يهمك
أنا سامعك
و غيري كتير بيأسرهم كلامك لما بتقوله
و تتحرك مشاعرهم
عشان حسك
عشان صوتك
عشان نبضك
عشان اسمك
عشان الحرف زي السيف
في وقت يعز فيه السيف
كلامك كلنا نحبه
عشان بيقوله قلب نضيف
مهوش ممزوج بكبر و زيف
كلام يخرج
من الوجدان إلى الوجدان
و يفضل حي جوانا لكل زمان
كلام في الحق
و من غيرنا يقول ال ” لأ ”
في وش الظلم و الظالم
يا شاعر قول أنا فاهم
و كل اللي قراك فاهم
و بستناك
على ضفاف الحروف فارد قلوعي ليك
اقول لبيك
عيوني لما تطلبها
أقول تفديك ٠
***

و في قصيدة أخرى بعنوان ( رُؤيَا الوُصُول ) تعد معلقة تنطق بمدى جمال الكلمة الشاعرة من تصور صوفي فلسفي جمالي ينطلق د. جمال مرسي بين ظلالها صداحا كالنهر العذب المتجدد مترنما بومضات الحنين في مطلعها :
ذَاتَ حُلمٍ أَو خَيَالٍ لَستُ أَدرِي
مَرَّ بِي طَيفٌ عَلَى هَيئَةِ نُورْ.
سَبَّحَ اللَّهَ وكَبَّرْ.
ثُمَّ أَوحَى لِي كَلاماً هَدَّأَ القَلبَ
فَنَوَّرْ .
ثُمَّ فِي طَرفَةِ عَينٍ طَارَ لِلأُفْقِ بَعِيدا
كُلُّ شَيءٍ بَعدَهُ أَضحَى جَدِيدا
كُلُّ شَيءٍ قَد تَغَيَّرْ.
هَكَذَا..
قَد شَاءَ لِي رَبِّي وَقَدَّرْ.
فَغَدَوْتُ اليَومَ أَحلَى
وَغَدَا قَلبِيَ أَنقَى
صَارَ أَصفَى مِن نُهَيرٍ مِن حَلِيبْ.
لَيسَ لِلكُرهِ مَكَانٌ
لَيسَ إِلَّا الخَيرُ لِلنَّاسِ وَأَكثَرْ.
يَا أَحِبَّائِي:
لِمَاذَا الحِقدُ يَطغَى؟
وَالشُّرُورُ المَاحِقَاتُ اسْتَملَحَتْ فِينَا البَقَاءْ.
فَغَدَونَا..
مِثْلَمَا العُريَانُ فِي سُوقِ الحَيَاءْ.
نَقتَفِي آثَارَ خَيبَاتٍ عِظَامٍ..
وَبِنَهشٍ فِي لُحُومِ الخَلقِ نَفخَرْ.
يَا أَحِبَّائِي اعلَمُوا أَنَّ الحَيَاةَ لَحظَةٌ
لَيسَ يُجدِي المَالُ فِيهَا
لَيسَ يُنجِينَا الثَّرَاءْ.
لَيسَ يُجدِي غَيرُ قَولِ الصِّدْقِ فِيهَا
فَهْوَ رَوْضٌ..
فِي قِفَارِ العُمرِ أَزهَرْ.
ذَاتَ حُلمٍ أَو خَيَالٍ لَستُ أَدرِي
أَبصَرَتْ عَينايَ رُوحِي
فِي جِنَانِ الخُلدِ تَلهُو
بَينَ رَوضَاتٍ وَكَوثَرْ.
لَا شُحُوبٌ يَغمُرُ الوَجهَ،
وَلَا خَوفٌ مِنَ الآتِي،
وَلَا دَاءٌ
وَلَا حُزنٌ يُسَطَّرْ.
يَا لَقَلبِي!!!
إِنَّهُ قَصرِي الَّذِي يَا طَالَمَا مَنَّيتُ نَفْسِي.
شَادَهُ الرَّحْمَنُ لِي
لَبْنَةً مِنْ فِضَّةٍ وَأُخرَى مِن ذَهَبْ
وَقُطُوفًا دَانِيَاتٍ مِن نَخِيلٍ وَعِنَبْ
وَثَرَاهُ المِسكُ يَذكُو
وَأَرِيجُ الأُفقِ عَنبَرْ.
يَا أَحِبَّائِي هَلُمُّوا…
هَا هُنَا يَحلُو اللِّقَاءْ.
هَا هُنَا إِنِّي أَرَى هَذِي الوُجُوهَ النَّضِرَةْ.
بِلِقَاءِ اللَّهِ شَوْقاً
وَالحَبِيبِ المُصطَفَى مُستَبشِرَةْ.
لَيسَ مِن غِلٍّ هُنَا
كَلَّا
وَلَا شَرٍّ لِيُضمَرُ.
ذَاتَ حُلمٍ أَو خَيَالٍ لَستُ أَدرِي
كَمْ تَمَادَيتُ بِنَومِي
كَمْ تَمَنَّيْتُ بِأَلَّا أَسْتَفِيقْ
وَإِذَا صَوْتٌ كَما لو كان صوتًا لمَلَاكٍ خَلْفَ أُذْنِي كَالرَّحِيقْ:
قُم حَبِيبِي صَلِّ فَجرَكْ .
هَدَّأَ الرَّحمَنُ سِرَّكْ .
إِنَّهُ الفَجرُ يُنَادِي
ويُنَادِي :
” اللَّهُ أَكْبَرُ ”
….
رحم الله شاعرنا الصديق د٠ جمال مرسي و يبقى أثره يخلده في سجل الخالدين ٠
و العزاء الخالص للأخ الحبيب الشاعر طارق مرسي أبو مروان ٠
قنديل الشعر الشاعر الصديق وداعا
تحرير وصياغة صحفيةً و
مراجعة:
عهود حسن البيومي – المغيرة بكري

