“مافيا الواتساب” في المنصورة.. احتكار رقمي يشعل نار الإيجارات ويطرد الغلابة من “عروس النيل”
بقلم: الإعلامي جمال الصايغ
بينما يطوف المواطن المنصوري شوارع المدينة بحثاً عن “سكن متاح” يحفظ كرامة أسرته، تصطدم أحلامه بجدار صلب من الأسعار الفلكية التي لم تعد تخضع لقانون “العرض والطلب” المتعارف عليه، بل لسطوة “تطبيقات الهاتف” وجشع السماسرة. لقد كشفت جولتنا الميدانية في “باريس الدلتا” عن حقيقة صادمة: الأزمة ليست مجرد نقص في الوحدات، بل هي “احتكار رقمي” يُدار عبر مجموعات (واتساب) سرية، حوّلت حق السكن إلى مزاد علني لمن يدفع أكثر، وسط غياب تام للرقابة الحكومية.
كواليس “غرف الواتساب السوداء”
لم تعد السمسرة في المنصورة مكاتب معروفة يمكن محاسبتها، بل تحولت إلى تكتلات منظمة على “فضاء الواتساب” تضم مئات السماسرة والوسطاء. في هذه الغرف، يتم “طبخ” الأسعار يومياً؛ فبمجرد أن يعرض مالك عقار شقته بسعر يتناسب مع “الغلابة”، ينهال عليه السماسرة بالرسائل الخاصة لإقناعه بأن سعره “بخس”، ويضغطون عليه لرفعه بنسبة تصل إلى 100% في بعض الأحيان. الهدف هنا ليس مصلحة المالك، بل رفع قيمة “العمولة” التي يتقاضاها السمسار، والتي باتت تُقدر بإيجار شهر كامل من المستأجر وشهر آخر من المالك، في استغلال فج لحاجة الناس.
خريطة الجشع.. من المشاية إلى زقاق “جديلة”
لقد امتدت النيران من المناطق الراقية لتلتهم ملاذات الفقراء. ففي الوقت الذي قفزت فيه إيجارات الأبراج الحديثة في “المشاية وحي الجامعة” إلى أرقام تتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف جنيه شهرياً، انتقلت العدوى إلى المناطق الشعبية والمتوسطة بشكل جنوني.
ففي أحياء مثل “جديلة، وقولونجيل، وعزبة عقل”، التي كانت دائماً مقصد الموظف البسيط وعامل اليومية، أصبح من المستحيل أن تجد شقة “آدمية” بأقل من أربعة آلاف جنيه كحد أدنى، وقد تصل في المناطق الأكثر تميزاً داخل هذه الأحياء إلى سبعة أو ثمانية آلاف جنيه. هذه الأرقام تمثل “حكم إعدام” على ميزانية الأسرة المصرية التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين “لقمة العيش” أو “ستر الجدران”.
السمسار.. “الباشا الإلكتروني” وغياب الرقابة
هذا “الكارتيل الرقمي” نجح في فرض “سعر أرضية” موحد لكل منطقة؛ فإذا قرر السماسرة على الجروب أن إيجار شارع معين سيبدأ من رقم محدد، فلن يجد المستأجر أقل منه مهما بحث، لأنهم يمارسون “الحظر” والتهميش لأي عرض يكسر السعر المتفق عليه. هذا الوضع حوّل السمسار إلى “باشا إلكتروني” يتحكم في مصير البشر دون أن يدفع جنيهاً واحداً ضرائب للدولة، ودون أن يمتلك سجلاً تجارياً يحاسب عليه.
صرخة للمسؤولين.. أين الحل؟
إن ما يحدث في المنصورة هو “جريمة احتكار” مكتملة الأركان تتطلب تدخلاً فورياً وحاسماً من اللواء محافظ الدقهلية والأجهزة الرقابية. إننا نطالب وبشكل عاجل بـ:
تفعيل دور مباحث الإنترنت والشرطة: لتعقب أصحاب هذه المجموعات الاحتكارية التي تبث السموم في سوق العقارات.
تقنين وضع السماسرة: ومنع أي شخص غير مرخص من ممارسة المهنة، مع إلزام المكاتب بوضع قوائم أسعار استرشادية.
إلزامية العقد الموحد: وتوثيق القيم الحقيقية للإيجارات في الشهر العقاري للحد من المزايدات الوهمية.
ختاماً..
المنصورة التي كانت رمزاً للرقي والجمال، لا يجب أن تترك فريسة لـ “أباطرة الواتساب”. إن المواطن المنصوري لم يعد يحتمل، والغلابة يئنون تحت وطأة جشع لا ينتهي. ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.
بقلم: الإعلامي جمال الصايغ

