بقلم محمد عطا القطيعي

ما أكثر العقول التي ازدحمت بالعلوم، وما أقل القلوب التي أشرقت بالحكمة! فما كلُّ حافظٍ للمعرفة حكيم، ولا كلُّ نافذ الذكاء راشد؛ فإن العلم قد يكون سراجًا، ولكن اليد التي تحمله قد تهتدي به إلى الطريق، وقد تحرق به الديار. وإنما الفارق بين الأمرين قلبٌ عرف الله، وعقلٌ خضع للحق، ونفسٌ تجرّدت من سلطان الهوى.
ولو كانت كثرة المعلومات كافية لصناعة الحكماء، لكانت خزائن الكتب أعقل من البشر، ولأصبح كلُّ عالمٍ إمامًا في الرشاد. ولكن الله سبحانه جعل بين العلم والحكمة برزخًا لا يعبره إلا من زكَّى نفسه، وطهَّر قصده، واستضاء بنور الهداية. قال جل جلاله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. فهي ليست ثمرة الذكاء وحده، ولا غنيمة كثرة القراءة، وإنما هي نفحةٌ ربانية، يسكبها الله في قلبٍ عرف قدره، فخضع لربه، وأدرك أن بيده سبحانه ملكوت كل شيء، وأنه وحده يهب العقول رشدها، والقلوب بصائرها، والنفوس هداها.
فالمعرفة هي ما يجمعه الإنسان من أخبار الوجود، وتجارب الحياة، وثمار العقول، فهي مادة البناء، لا البناء نفسه.
والذكاء قوةٌ مودعة في الفكر، تُحسن التحليل، وتستخرج الخفي من الظاهر، وتبتكر الوسائل، غير أنها لا تسأل: إلى أين؟ وإنما تسأل: كيف؟ فقد تبني كما قد تهدم، وتصلح كما قد تفسد.
وأما العقل، فهو القاضي الذي يعرض عليه الذكاء براهينه، والمعرفة شواهدها، فيزنها بميزان التعقل، ويربط الأسباب بالمسببات، وينظر إلى العواقب قبل أن ينظر إلى اللذائذ، وإلى الغايات قبل الوسائل.
وأما الوعي، فهو يقظة الروح على نفسها؛ أن يرى الإنسان خفايا دوافعه كما يرى ظواهر أفعاله، وأن يعرف حدود علمه كما يعرف سعة جهله، وأن يستحيي من خداع نفسه قبل أن يستحيي من خداع الناس.
وأما الأخلاق، فهي السلطان الذي يكفُّ العلم عن الطغيان، ويمنع الذكاء أن يتحول إلى مكر، ويأخذ بيد القوة حتى لا تنقلب بطشًا، ويجعل الفضيلة غايةً لا وسيلة.
ثم تأتي الحكمة، وهي تاج هذه الخصال جميعًا، وتمام نضجها، وكمال ائتلافها؛ فهي أن يعرف الإنسان ماذا يفعل، ولماذا يفعل، ومتى يفعل، ومتى يمتنع، وأن يضع لكل أمرٍ موضعه، ولكل كلمةٍ ميزانها، ولكل موقفٍ قدره، فلا يسبق الهوى بصيرته، ولا تغلب الشهوة عقله، ولا يعميه الإعجاب بنفسه عن رؤية الحق إذا لاح.
إن المعرفة لا ترتقي إلى مقام الحكمة حتى يغتسل العلم من كِبْره، ويتطهر الذكاء من غروره، ويخضع العقل لسلطان الحق، ويأنس القلب بمراقبة الله، ويعلم المرء أن فوق كل ذي علمٍ عليم، وأن الحقيقة ليست أسيرة رأيه، ولا حبيسة ما ألفه أو ورثه.
وليس أخطر على الإنسان من عقلٍ قويٍّ يقوده هوى ضعيف؛ فإن الهوى إذا امتطى الذكاء، صار الذكاء عبدًا بعد أن خُلق سيدًا، وتحول البرهان إلى خادمٍ للرغبة، والحجة إلى ستارٍ للشهوة، والكلمة إلى زينةٍ للباطل.
ومن هنا ينهض السؤال الذي يزن الرجال قبل أن يزن أفكارهم:
كيف يفرّق الإنسان بين التفكير النقدي، الذي يخرج يلتمس الحقيقة ولو رجع منها مخالفًا نفسه، وبين ذكاء التبرير، الذي يخرج يحمل النتيجة في قلبه، ثم يطوف بين الأدلة يبحث عمّا يكسوها ثوب المشروعية؟
إن التفكير النقدي تلميذ الحقيقة؛ يجلس بين يديها متواضعًا، فإن ظهر له خطؤه شكر من كشفه، وعدَّ الرجوع إلى الصواب غنيمةً لا هزيمة، وعزًّا لا انتقاصًا.
وأما ذكاء التبرير، فهو تلميذ الهوى؛ لا يريد أن يعرف، بل يريد أن ينتصر، فإذا خالفه الدليل خاصمه، وإذا عارضه البرهان أوّله، وإذا هزمه الحق لجأ إلى زخرف القول، حتى يصبح العقل فيه محاميًا عن الخطأ، لا شاهدًا للحق.
وهكذا، فإن الفارق بين الحكيم والذكي ليس في قوة العقل وحدها، بل في الوجهة التي يتجه إليها العقل؛ فالعقل إذا سار في ضياء الإيمان، واستضاء بمراقبة الرحمن، كان نورًا على نور، وإذا انفرد بنفسه، واستسلم لكبريائه، ربما صار سراجًا يحمل صاحبه إلى الهاوية وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.
فيا طالب العلم، لا تجعل همَّك أن تزداد معرفةً فحسب، بل أن تزداد خشيةً؛ فإن العلم إذا لم يورث خشيةً أورث غرورًا، وإذا لم يثمر رحمةً أورث قسوةً، وإذا لم يهذب النفس صار وبالًا عليها.
ونسأل الله، سبحانه وتعالى، مالكَ الملك، الذي بيده ملكوت السموات والأرض، أن يرزقنا علمًا يهدي، لا علمًا يُغري، وعقلًا يبصر، لا عقلًا يُكابر، وقلبًا يخشع، لا قلبًا يقسو، وأن يفيض علينا من خزائن حكمته ما يجعلنا من الذين إذا علموا عملوا، وإذا عملوا أخلصوا، وإذا أخلصوا هداهم إلى سواء السبيل. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
وأرى أن هذا النص يقترب من روح الرافعي، لكنه لا يحاكيه محاكاةً مباشرة. وإذا أردته أشدَّ فخامةً، وأقرب إلى موسيقى «وحي القلم» في جمله الطويلة، وصوره البيانية المتلاحقة، وإيقاعه الخطابي المهيب، فيمكن صياغته على نسق يكاد يذكّر القارئ بمدرسة الرافعي مع الحفاظ على أصالة النص واستقلاله.
—————القطيعى الشريف————–
متى تصير المعرفة حكمة؟

