محراب الإنسانية بأسوان.. حينما يبتسم الأمل في وجه الألم
بقلم: جمال الصايغ
ليس مجرد صرح طبي، بل هو قطعة من الجنة رُسمت ملامحها بيد “جراح القلوب” السير مجدي يعقوب. هو ذلك الرجل الذي لم يكتفِ بنجاحاته العالمية في الغرب، بل عاد ليغرس في قلب صعيد مصر شجرة وارفة من الرحمة، يستظل بها الفقراء قبل الأغنياء.
سأحكي لكم اليوم عن تجربة عشتها بنفسي، تجربة لم تكن مجرد “قصة صحفية”، بل كانت رحلة إنسانية محفورة في وجداني، بطلتها ابنة أختي الراحلة “هاجر سمير”؛ تلك الملاك التي كانت تعاني من ضيق شديد في التنفس وعيوب خلقية في عروق القلب، كانت حرفياً “مخنوقة” وتصارع من أجل كل نفس.
من المنصورة إلى أسوان.. جسر من النور
بمجرد أن أرسلنا أوراقها الطبية لمركز الدكتور مجدي يعقوب بأسوان، حدث ما لم نكن نتوقعه في زمن الروتين. استجابة فورية، واتصال يفيض بالرقي بأم هاجر، لتبدأ رحلتنا من المنصورة إلى أقصى الجنوب.
الحقيقة التي رأيتها بعيني:
عالمية الأداء: دخلت مركزاً لا يقل شأناً عن أرقى المستشفيات الأوروبية، نظام ونظافة ودقة متناهية.
إنسانية الإدارة: حين علم فريق العلاقات العامة بقدومنا من المنصورة، تم حجز فندق لنا (فندق طيبة) مجاناً بالكامل.
المجانية الحقيقية: “من الإبرة للصاروخ” كما يُقال، لم نتكلف جنيهاً واحداً. علاج، إقامة، وفحوصات.. كل شيء كان هدية من قلب “ملك القلوب” للمصريين.
عندما تكون “الحياة” هي الأولوية
وصلنا للحظة الفارقة؛ هاجر في غرفة العمليات، والفريق الطبي يتأهب. وفي تلك اللحظة الحرجة، تدخل البروفيسور مجدي يعقوب بنفسه. وبنظرة الطبيب الذي يرى ما لا يراه غيره، وبقلب الأب الذي يخشى على طفلته، قرر إيقاف العملية ورفض إجرائها في ذلك التوقيت خوفاً على حياتها، مفضلاً العلاج والمتابعة الدقيقة لحين استقرار حالتها.
هذا هو الفرق بين “المشرط” الذي يبحث عن إنجاز، وبين “القلب” الذي يبحث عن نجاة المريض.
رحيل الملاك ووفاء المركز
لقد شاء القدر أن يسترد الخالق أمانته، وصعدت روح هاجر الطاهرة إلى بارئها في مسقط رأسنا بالمنصورة، تاركة في قلوبنا حزناً لا يمحوه الزمن. ولكن، حتى بعد الرحيل، استمرت لمسات هذا المركز العظيم؛ فقد عاودوا الاتصال بنا للمرة الثالثة للاطمئنان ومتابعة الحالة، ليتلقوا خبر الوفاة ببالغ التأثر.
كلمة أخيرة..
إن ما يفعله السير مجدي يعقوب وفريقه في أسوان ليس مجرد “طب”، بل هو تجسيد حي لمعاني الرحمة والإخلاص. شكراً لكل يدٍ هناك لمست وجعنا، وشكراً لـ “ابن مصر” الذي جعل من أسوان عاصمة للقلوب المكسورة، وملاذاً لمن ضاقت بهم السبل.
رحم الله “هاجر”، وحفظ الله الدكتور مجدي يعقوب ذخراً للإنسانية.
محراب الإنسانية بأسوان.. حينما يبتسم الأمل في وجه الألم


